البلغة والشربيل... عالمان مختلفان
تُعد البلغة واحدة من أشهر منتجات الصناعة التقليدية المرتبطة بالجلد في المغرب، وتتميز النسخة الفاسية خصوصاً بـمقدمتها المدببة. وقد ارتداها تاريخياً الرجال والنساء معاً، وإن كانت النماذج الرجالية تميل أكثر إلى الألوان الهادئة، مثل الأصفر والرمادي والأبيض، بينما عرفت النماذج النسائية تنوعاً أكبر في الألوان والزخرفة.
أما الشربيل، فينتمي بصورة أوضح إلى عالم الزينة النسائية. فهو يطرز بخيوط ذهبية أو فضية أو حريرية، ويرتبط تقليدياً بالقفطان وملابس المناسبات. وفي بعض تقاليد الأعراس الفاسية القديمة، كان الشربيل يحتل مكانة خاصة ضمن ما يُهيأ للعروس. ويمكن تلخيص الفرق بينهما بعبارة بسيطة: البلغة تزين الخطوة، أما الشربيل فيزين الخطوة والنظر معاً.
حذاء تبدأ حكايته من المدبغة
قبل أن يصل إلى واجهة متجر، يمر الشربيل والبلغة عبر أيدي عدة حرفيين. تبدأ العملية تقليدياً بالجلود، وخاصة جلد الماعز والأبقار، التي تُدبغ وتُصبغ قبل أن تصل إلى صانع الأحذية. بعد ذلك، يُقطع الجلد وفق المقاس والشكل المطلوبين، ثم تُجمع القطع وتُخاط فوق نعل جلدي سميك، قبل وضع الحذاء على قالب يمنحه شكله النهائي. وفي أحد ورش المدينة العتيقة بفاس، أوضح المعلم عبد الرحيم الزريفي، الذي راكم قرابة أربعين سنة في المهنة، أن صناعة البلغة الفاسية من نوع الزيواني تمر عبر 24 مرحلة مختلفة، ما يزال جزء كبير منها ينجز يدوياً. لذلك، فإن عبارة «صناعة يدوية» تخفي وراءها عملاً دقيقاً وطويلاً: قص، وضبط، وخياطة، وصقل، وتشكيل، ثم إعادة العملية حتى يظهر زوج متناسق.
الشربيل قد يحتاج إلى أيام من العمل
الوقت بدوره يكشف الفرق بين القطعتين. فصناعة بلغة تقليدية يمكن أن تستغرق يوماً كاملاً، بينما قد يحتاج الشربيل المزخرف إلى خمسة أيام من العمل، خاصة عندما تكون الزخارف والتطريزات أكثر تعقيداً. وهنا تظهر قصة أخرى ظلت لفترة طويلة أقل وضوحاً: دور النساء. فالأبحاث المتعلقة بالحرف التقليدية في فاس تشير إلى أن بعض المعلمين كانوا يعهدون بـتطريز الجزء العلوي من الشربيل إلى نساء يعملن من منازلهن. وبذلك، ظل إسهامهن أقل ظهوراً من عمل الحرفيين الموجودين في الورش والأسواق. وقد يكون الشربيل الواحد نتيجة عمل عدة أشخاص. وهذه ربما إحدى خصوصيات الصناعة التقليدية: قطعة واحدة تجمع خبرات وأيادي متعددة، من دون أن تظهر دائماً أسماء أصحابها.
تقليد يعرف كيف يتغير
الشربيل الفاسي لم يبق أسير الماضي. فمع مرور الوقت، أدخل الحرفيون مواد مثل الجلد المدبوغ والقطيفة والمليفة وأقمشة عصرية، إلى جانب إكسسوارات معدنية وحتى كعوب صغيرة. كما تغيرت الألوان والزخارف لتتماشى مع القفطان الحديث وأذواق الأجيال الجديدة. وقد يكون هذا أحد أسرار استمراره: يتغير بما يكفي ليبقى مرغوباً، من دون أن يفقد هويته بالكامل. والأمر نفسه ينطبق على البلغة. فهي ما تزال ترافق الجلباب والقندورة والملابس الاحتفالية، بينما بدأ بعض المصممين يعيدون تقديمها بأشكال تناسب جيلاً أصغر وسوقاً دولية أوسع.
تحدي المعلمين: من سيتعلم الحرفة غداً؟
لكن استمرار هذه المهن ليس مضموناً. ويتحدث الحرفيون عن تحديات متزايدة، من بينها تراجع عدد الصناع المهرة، وارتفاع أسعار المواد الأولية، والمنافسة مع الأحذية الصناعية الحديثة. وهنا تظهر مفارقة واضحة. ففي الوقت الذي تحقق فيه الصناعة التقليدية المغربية حضوراً متزايداً في الأسواق الدولية، أصبحت بعض المهارات التقليدية أكثر هشاشة من ناحية انتقالها إلى الجيل الجديد.
وسجلت صادرات الصناعة التقليدية المغربية مستوى قياسياً بلغ 1.232 مليار درهم سنة 2025، مقابل 792 مليون درهم سنة 2019. واستحوذت الولايات المتحدة على 49% من الصادرات، فيما مثلت فرنسا نحو 10.5%. هذه الأرقام تخص مجموع الصناعة التقليدية المغربية وليس البلغة والشربيل وحدهما، لكنها تؤكد وجود سوق دولية حقيقية.
من فاس إلى أعراس الجالية
وهنا تكتسب البلغة والشربيل معنى آخر. في باريس وبروكسل وأمستردام ومونتريال وغيرها، تعود هذه الأحذية إلى الظهور خلال الأعراس المغربية، وأعياد الفطر والأضحى، والمناسبات المرتبطة بالقفطان. بالنسبة إلى مغاربة العالم، لا تُقاس قيمتها فقط بنوعية الجلد أو دقة التطريز. ارتداء البلغة مع الجلباب، أو اختيار شربيل متناسق مع القفطان، يمكن أن يصبح طريقة ملموسة للحفاظ على صلة بالإرث العائلي والثقافي. وهكذا، قد تغادر قطعة صنعت في زقاق ضيق بفاس لتظهر بعد أشهر في قاعة أفراح تبعد آلاف الكيلومترات عن المغرب.
وربما تكمن هنا القوة الحقيقية لهذه الحرفة. البلغة والشربيل لا يستمران فقط لأنهما ينتميان إلى الماضي، بل لأن المغاربة ما زالوا يمنحونهما مكاناً في حاضرهم. وفي فاس، لا يصنع الحرفيون أحذية فقط. إنهم يصنعون، زوجاً بعد آخر، قطعة من الذاكرة المغربية يمكن حملها إلى أي مكان في العالم.
💬 Commentaires (0)
Aucun commentaire. Soyez le premier !
✏️ Laisser un commentaire