لائحة محمد وهبي ليست مجرد أسماء. إنها تصور فني، واختيارات مبنية على توازنات بدنية وتكتيكية وذهنية. قد نختلف حول بعض التفاصيل، وهذا طبيعي، لكن تحويل كل اختيار إلى معركة على مواقع التواصل لن يخدم المنتخب. بل قد يعيدنا إلى أجواء الضغط الزائد التي رافقت المنتخب في محطات سابقة، خاصة خلال كأس إفريقيا الأخيرة، حين تحولت بعض النقاشات إلى موجة نقد قاسية، لم تكن دائماً بناءة ولا مفيدة.
المنتخب يحتاج إلى جمهور داعم لا إلى محكمة مفتوحة
من حق الجمهور أن يناقش. ومن حق الإعلام أن يحلل. ومن حق كل مشجع أن تكون له قناعته بخصوص لاعب أو خطة أو مركز معين. لكن هناك فرق كبير بين التحليل الرياضي الهادئ وبين الضغط السلبي.
التحليل يسأل:
هل اللاعب جاهز بدنياً؟
هل يناسب الخطة؟
هل يملك الانسجام مع باقي المجموعة؟
هل يمنح المدرب حلولاً في أكثر من مركز؟
أما الضغط السلبي فيختصر كل شيء في عبارات من نوع: “لماذا هذا وليس ذاك؟”، “كيف تم استدعاء فلان؟”، “لماذا لم تتم المناداة على لاعب آخر؟”. هذا النوع من النقاش لا يبني وعياً كروياً، بل يصنع ضجيجاً حول المنتخب في توقيت يحتاج فيه اللاعبون إلى التركيز.
المنتخب الوطني لا يلعب فقط ضد البرازيل أو اسكتلندا أو هايتي. يلعب أيضاً ضد الضغط، ضد المقارنات، ضد سقف انتظارات عالٍ جداً بعد إنجاز 2022، وضد محيط رقمي لا يرحم.
مواقع التواصل: خطر الضجيج قبل صافرة البداية
مواقع التواصل أصبحت ملعباً ثانياً، لكنه ملعب بلا حكم، بلا تقنية فيديو، وبلا نهاية للمباراة. تغريدة واحدة قد تتحول إلى حملة. فيديو قصير قد يخلق انطباعاً خاطئاً. تعليق غاضب قد يتحول إلى موجة ضغط على لاعب أو مدرب.
وهنا يجب الانتباه. المنتخب المغربي عاش بعد ملحمة مونديال قطر 2022 وضعاً جديداً. لم يعد منتخباً يدخل البطولات بهدوء أو من دون انتظارات. اليوم، كل خصومه يعرفون قيمته. وكل جماهيره تنتظر منه الكثير. وهذا أمر جميل، لكنه خطير إذا تحول إلى ضغط يومي.
المطلوب ليس إسكات النقاش. المطلوب هو رفع مستوى النقاش. لا نحتاج إلى جلد اللاعبين قبل بداية البطولة. لا نحتاج إلى تقسيم الجمهور بين مناصر لهذا اللاعب ومهاجم لذاك. لا نحتاج إلى تحويل اختيارات المدرب إلى صراعات شخصية.
المنتخب يحتاج إلى شعب يقف خلفه. النقد يأتي في وقته، وبمعاييره، وبأدواته. أما قبل المنافسة، فالأولوية هي حماية المجموعة.
إنجاز 2022 مصدر قوة… لكنه ليس نسخة قابلة للإعادة
منذ ملحمة قطر، يحلم كل مغربي بإعادة نفس السيناريو. نصف نهائي كأس العالم، فرحة الشوارع، دموع اللاعبين، صور الأمهات، علم المغرب في كل مكان. كانت لحظة تاريخية لن تُمحى من الذاكرة.
لكن كرة القدم لا تمنح نسخاً مكررة. مونديال 2026 لن يكون مونديال 2022. اللاعبون تغيروا، الخصوم تغيروا، طريقة التعامل مع المنتخب المغربي تغيرت أيضاً. لم نعد مفاجأة. لم نعد ذلك المنتخب الذي يمكن أن يستهين به الآخرون. اليوم، المغرب يدخل البطولة وهو تحت المجهر.
وهنا تبدأ الصعوبة. لأن كل منتخب سيحضر لمواجهة المغرب بجدية أكبر. وكل مدرب خصم سيبحث عن طريقة لإغلاق المساحات أمام حكيمي، والضغط على وسط الميدان، ومنع براهيم دياز من اللعب بين الخطوط، واستغلال أي ارتباك دفاعي.
لذلك، بدل مطالبة المنتخب بإعادة الماضي، علينا مساعدته على بناء نسخة جديدة من نفسه.
قراءة في اختيارات وهبي: لائحة تبحث عن التوازن
محمد وهبي يبدو أنه يميل إلى تصور تكتيكي مبني على 4-3-3، مع رغبة واضحة في خلق توازن بين الخبرة والشباب، وبين الصلابة والسرعة، وبين التحكم والانتقال السريع.
في حراسة المرمى، وجود ياسين بونو يمنح المنتخب مرجعاً نفسياً وفنياً. بونو ليس مجرد حارس. هو قائد خلفي، يقرأ اللحظات الصعبة، يعرف ضغط المباريات الكبرى، ويمنح الدفاع ثقة لا تُشترى.
في الدفاع، وجود أشرف حكيمي ونصير مزراوي يمنح المغرب قوة كبيرة على الأطراف. لكن قوة الأظهرة قد تصبح خطراً إذا لم تتم تغطيتها جيداً. هنا تأتي أهمية وسط الميدان، لأن أي صعود لحكيمي أو مزراوي يحتاج إلى لاعب يغطي المساحة خلفهما.
اختيار نايف أكرد يمكن فهمه من زاوية فنية. صحيح أن الجاهزية البدنية تبقى نقطة متابعة، لكن أكرد يملك شيئاً مهماً: قدم يسرى، جودة في التمرير، قراءة للعمق، وتجربة في مباريات المستوى العالي. إلى جانبه، يمكن أن يمنح عيسى ديوب إضافة بدنية واضحة، خاصة في الكرات الهوائية والالتحامات والدفاع داخل منطقة الجزاء.
وسط الميدان: مفتاح المنتخب في 2026
إذا كان هناك قطاع سيحدد وجه المنتخب المغربي، فهو وسط الميدان. وجود أسماء مثل عز الدين أوناحي، نيل العيناوي وأيوب بوعدي يعكس توجهاً نحو وسط قادر على اللعب تحت الضغط، التحرك بين الخطوط، وإعطاء حلول في بناء اللعب.
أوناحي يمنح المنتخب القدرة على كسر الخطوط بالكرة. هو لاعب لا يكتفي بالتمرير الآمن، بل يستطيع حمل الكرة وتغيير إيقاع الهجمة. العيناوي يوفر الحجم البدني، التوازن، والقدرة على الربط بين الدفاع والهجوم. أما بوعدي فهو رهان المستقبل، لكنه ليس مجرد اسم شاب. إنه لاعب يملك شخصية كروية، وقدرة على التعامل مع ضغط الوسط إذا تم توظيفه بشكل صحيح.
هذا الثلاثي، إن تم تثبيته، يحتاج إلى انسجام سريع. كأس العالم لا ينتظر. لا توجد مباريات كثيرة للتجريب. لذلك، سيكون دور وهبي حاسماً في توزيع الأدوار: من يبني؟ من يغطي؟ من يضغط؟ ومن يتحرك بين الخطوط؟
الهجوم: حركة أكثر ونقطة ارتكاز أقل
في الخط الأمامي، وجود براهيم دياز، عبد الصمد الزلزولي وإسماعيل صيباري يمنح المنتخب شكلاً هجومياً مختلفاً. هذه ليست جبهة مبنية فقط على مهاجم صندوق تقليدي. إنها جبهة تعتمد على الحركة، الدخول إلى العمق، تبادل المراكز، والبحث عن المساحات بين المدافعين.
براهيم دياز هو لاعب “اللحظة”. يستطيع خلق شيء من لا شيء. تمريرة، مراوغة قصيرة، تسديدة، أو لمسة بين الخطوط يمكن أن تغير مباراة كاملة. الزلزولي يمنح المنتخب العمق والمراوغة والواحد ضد واحد. صيباري، إذا استُخدم في دور هجومي متقدم، يمكن أن يقدم حلولاً بالتحرك، الضغط، والدخول من الخلف.
قد يقول البعض: أين المهاجم الصريح؟ هذا سؤال مشروع. لكن الجواب التكتيكي قد يكون أن وهبي يريد هجوماً أقل قابلية للتوقع. فريق لا ينتظر كرة عرضية فقط، بل يهاجم بالتحركات، والربط، والسرعة، واستغلال الفراغات.
لماذا يجب احترام اختيارات المدرب؟
احترام اختيارات المدرب لا يعني منحه شيكاً على بياض. لكنه يعني الاعتراف بأنه يرى أشياء لا نراها: الحالة البدنية اليومية، الانسجام داخل المجموعة، شخصية اللاعبين في التداريب، قدرتهم على تنفيذ التعليمات، ورد فعلهم تحت الضغط.
المشجع يرى المباراة. المدرب يرى الأسبوع كاملاً.
المشجع يرى الاسم. المدرب يرى الدور.
المشجع يسأل: من الأفضل؟ المدرب يسأل: من الأنسب للخطة؟
وهذا فرق كبير.
في بطولة مثل كأس العالم، لا تُختار الأسماء فقط حسب الشهرة. تُختار حسب التوازن، الأدوار، الانسجام، الجاهزية، والحلول الممكنة أثناء المباراة. قد يكون لاعب أقل شعبية أكثر فائدة في خطة معينة من لاعب يملك حضوراً أكبر على مواقع التواصل.
رسالة إلى الجمهور المغربي: كونوا السند لا الضغط
المنتخب الوطني ملك لكل المغاربة. لذلك، من حق الجمهور أن يشعر، أن يناقش، أن يحلم، وأن يغضب أحياناً. لكن في هذه المرحلة، الرسالة الأهم هي: كونوا وراء المنتخب.
لا تمنحوا الخصوم هدية مجانية عبر نشر الشك داخل المجموعة. لا تحولوا كل اختيار إلى أزمة. لا تجعلوا اللاعب يدخل البطولة وهو يشعر أن نصف الجمهور ينتظر سقوطه. هذا لا يخدم المغرب.
إذا أخطأ المدرب، سيأتي وقت التحليل. إذا فشل الاختيار، سيأتي وقت المحاسبة الرياضية. لكن قبل البداية، يجب أن نمنح المجموعة حقها في الهدوء والثقة.
المنتخب المغربي لديه ما يكفي من الضغط الخارجي. بعد إنجاز 2022، كل المنافسين يريدون إسقاطه، وكل المتابعين يريدون معرفة هل كان ما حدث في قطر استثناءً أم بداية حقبة جديدة. فلا نضيف نحن ضغطاً داخلياً بلا فائدة.
خلاصة MM News: الوحدة جزء من الخطة
لائحة محمد وهبي قابلة للنقاش، وهذا طبيعي. لكنها ليست مناسبة لإشعال معارك رقمية بين الجماهير. المنتخب يدخل مونديال 2026 بحراس خبرة، أظهرة عالمية، دفاع يحتاج إلى إدارة ذكية، وسط ميدان واعد، وهجوم سريع ومتحرك.
النجاح لن يأتي بالأسماء وحدها. سيأتي بالانضباط، بالانسجام، بالجاهزية، وبالدعم الجماهيري الذكي.
الرسالة واضحة:
احترموا اختيارات المدرب.
ساندوا اللاعبين.
ناقشوا بعقل.
احذروا ضجيج مواقع التواصل.
ولا تجعلوا المنتخب يعيش ضغطاً غير ضروري قبل أن يبدأ مشواره.
لأن كأس العالم لا تُلعب فقط بالأقدام. تُلعب أيضاً بالعقل، بالثقة، وبشعب يعرف متى ينتقد ومتى يحمي أبناءه.
💬 التعليقات (1)
اتفق مع الكاتب تماما، لا يجب إعطاء الفرصة للمشوشين و محليلي مواقع التواصل الاجتماعي من اجل خلق البلبلة، لقد عانينا من ذالك خلال كاس أفريقيا السابقة…. وعيقوا الديب تدوز عليه غير مرة وحدة 🇲🇦💪
✏️ اكتب تعليقك