بانوراما مميز

القفطان المغربي: حين تتحول قرون من الذاكرة إلى أزياء راقية

أحياناً، تكفي حركة واحدة لفهم القفطان المغربي. كمّ يرافق انسيابية اليد. مخمل عميق يلتقط الضوء. خط من السفيفة ينزل على الثوب بدقة تكاد تكون معمارية. صف من العقاد المصنوعة يدوياً، ثم بريق محسوب لـالمضمة وهي تعيد رسم القوام. من بعيد، يبدو القفطان ثوباً. لكن عن قرب، يصبح شيئاً آخر تماماً: عملاً جماعياً، وذاكرة منسوجة، وواحداً من أكثر أشكال التراث المغربي أناقة وتعقيداً.

4 دقيقة للقراءة 👁 25 مشاهدة 💬 0 تعليق
AR
القفطان المغربي: حين تتحول قرون من الذاكرة إلى أزياء راقية

وفي 10 دجنبر 2025، حظي هذا الإرث باعتراف عالمي بعدما أدرجت اليونسكو «القفطان المغربي: الفن والتقاليد والمهارات الحرفية» ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية باسم المغرب. والصياغة هنا ليست تفصيلاً. فالاعتراف لم يخص مجرد ثوب، بل شمل المهارات والحرف والذاكرة وطرق التوارث والمجتمعات التي تواصل إحياءه.

ثوب حوّله المغرب إلى لغة

البحث عن تاريخ واحد لولادة القفطان قد يختزل قصة أكثر تعقيداً. فقد تطور في المغرب عبر قرون من التفاعل بين مكونات المملكة الثقافية المختلفة: العربية والأمازيغية والأندلسية واليهودية والمتوسطية، إلى جانب التقاليد الحضرية العريقة. مر عبر القصور والبيوت الكبرى، ثم أصبح جزءاً من الحياة الاجتماعية المغربية، إلى أن تحول إلى واحدة من أكثر الصور ارتباطاً بالأعراس والاحتفالات والمناسبات العائلية. ومع الزمن، أصبح القفطان النسائي التعبير الأكثر إثارة للانتباه عن هذا الإرث. غير أن خصوصيته المغربية لا تكمن فقط في القصة أو القصّة. إنها تكمن في قدرته على جمع عالم كامل من الحرف الفنية داخل قطعة واحدة.

قبل القفطان... هناك الأيادي

في عالم الأزياء الراقية، يجري الحديث عن ساعات العمل. أما في القفطان المغربي، فربما ينبغي الحديث عن أجيال. قبل أن تكتمل قطعة واحدة، قد تمر بين أيدي عدة حرفيين. النساج يصنع البروكار أو يشتغل على الحرير. المعلم الخياط يبني القوام. أياد أخرى تنجز السفيفة والعقاد والتطريز والتنبات والتشطيبات الدقيقة. بعض هذه المهارات ينتقل داخل العائلات، وبعضها بين المعلم والمتعلم، فيما أصبحت مراكز التكوين ومدارس الأزياء بدورها جزءاً من عملية نقل المعرفة. وهنا يكمن المعنى الحقيقي للفخامة. ليس فقط في ثمن القماش أو خيوط الذهب، بل في الزمن البشري المخفي داخل الثوب.

فاس وتطوان والرباط وسلا ومراكش ووجدة... مدارس متعددة للأناقة

لا يوجد قفطان مغربي واحد. فقد طورت مدن مختلفة عبر التاريخ مدارس مميزة، من أبرزها فاس وتطوان والرباط وسلا ومراكش ووجدة. لكل مدينة لغتها. فاس ترتبط بفخامة البروكار ودقة الزخرفة. تطوان تحمل أثراً أندلسياً واضحاً. الرباط وسلا تتميزان برقي التطريز وانضباط التكوين. مراكش تميل إلى حضور زخرفي أكثر سخاء، بينما طورت وجدة بدورها أشكالها وتفاصيلها الخاصة. اليوم، لم تعد الحدود بين هذه المدارس مغلقة. المصمم المعاصر يمزج ويقتبس ويعيد البناء. لكن هذا التنوع يكشف حقيقة أساسية: القفطان وطني لأنه متعدد.

بروكار فاس... عندما يصبح النسيج أقرب إلى المجوهرات

من بين الأقمشة التي تختصر هذا المستوى من التعقيد، يبرز البروكار الفاسي. على النول، تلتقي خيوط الحرير بالخيوط المعدنية، ويظهر النقش ببطء، كأن زخارف الزليج المغربي غادرت الطين لتصبح نسيجاً. بعد ذلك تأتي السفيفة والعقاد والطرز والحزام. لكل عنصر وظيفة جمالية، لكنه يحمل أيضاً ذكاءً تقنياً. لا شيء هنا مجرد إضافة.

وربما في هذه النقطة يقترب القفطان أكثر من مفهوم الأزياء الراقية: الجمال النهائي يقوم على تفاصيل قد يفتتن بها غير المتخصص من دون أن يعرف أسماءها أو حجم العمل الذي تطلبته.

اليونسكو تعترف بتراث حي، لا بقطعة متحفية

لا ينبغي فهم إدراج القفطان سنة 2025 باعتباره محاولة لتجميده في الماضي. فالتراث الثقافي غير المادي يبقى حياً لأنه ينتقل ويتغير ويستمر في الحياة داخل المجتمع. يمكن تخفيف الأكمام. ويمكن نقل التطريز من مكان إلى آخر. ويمكن مزج خامات غير متوقعة أو بناء قفطان أكثر بساطة وحداثة. ما يجب حمايته ليس الجمود. بل المهارة التي تجعل التجديد ممكناً. وهذا هو أحد أسرار استمرار القفطان المغربي: قدرته على التغير من دون قطع الصلة بالحرف التي صنعت هويته.

من إرث العائلة إلى لغة المصممين

في كثير من البيوت المغربية، تنتقل بعض القفاطين من جيل إلى آخر. قطعة واحدة قد تحتفظ بذكرى زفاف، أو أم، أو جدة، أو مدينة كاملة. وفي ورش المصممين اليوم، تتحول هذه الذاكرة نفسها إلى مادة للإبداع. قد تتغير الأحجام، وتصبح الألوان أكثر هدوءاً، وتتحرك الزخرفة من موقعها التقليدي، وتقترب الخطوط من اللغة العالمية للأزياء الراقية. لكن تحت أكثر القفاطين حداثة، غالباً ما يبقى الأبجدية نفسها: السفيفة، العقاد، الطرز، البروكار، المضمة، وقبل كل شيء يد المعلم والمعلمة. وهنا تحديداً يخرج القفطان من خانة الفولكلور ليدخل عالم الموضة الراقية بكل شرعية.

في الجالية أيضاً... يمكن لثوب أن يحمل وطناً

باريس وبروكسل وأمستردام ولندن ومونتريال ودبي أصبحت هي الأخرى مسارح لهذه القصة. عندما تختار مغربية وُلدت خارج المملكة قفطاناً لزفافها أو لمناسبة عائلية، فهي لا تحاول بالضرورة ارتداء الثوب بالطريقة نفسها التي ارتدته بها جدتها. إنها تقوم بشيء أكثر دقة: تختار ما تريد أن تنقله إلى الجيل التالي. وسط مغاربة العالم، أصبح القفطان واحداً من تلك الرموز الثقافية القادرة على عبور الأجيال من دون حاجة إلى ترجمة. يكفي أن يظهر.

تراث يرفض الاختيار بين الذاكرة والمستقبل

الاعتراف الأممي لسنة 2025 ليس نهاية القصة، بل بداية مسؤولية. الحفاظ على القفطان المغربي يعني حماية الحرفيين، وجعل المهن المرتبطة به جذابة للشباب، وتوثيق التقنيات القديمة، وفي الوقت نفسه ترك المجال مفتوحاً أمام المبدعين لإعادة صياغتها. فالتقاليد الكبرى لا تستمر فقط لأنها قديمة. إنها تستمر لأنها تظل قادرة على إثارة الرغبة. وهذه تحديداً واحدة من أندر خصائص القفطان المغربي.

يمكن إخراج قطعة عمرها مئة سنة من صندوق عائلي فتبدو حتى اليوم مهيبة، كما يمكن لقفطان أن يولد صباحاً في ورشة بالدار البيضاء أو فاس أو الرباط أو مراكش ويبدو وكأنه ينتمي بالفعل إلى الغد. وبين القطعتين، هناك قرون من الأيادي والمهارات المغربية. وربما تكون هذه هي أجمل صيغة لتعريف الفخامة: ألا ترتدي مجرد قماش، بل الزمن الذي احتاجته حضارة كاملة لتتعلم كيف تحوله إلى جمال.

هل أعجبك هذا المقال؟
حجم الخط 100%

مقالات ذات صلة

💬 التعليقات (0)

💬

لا توجد تعليقات. كن أول من يعلق!

✏️ اكتب تعليقك

لن يُنشر
0/1000