بانوراما مميز

الملحون… حين أودع المغرب ذاكرته في القصيدة والنغمة

وُلد فن الملحون في الجنوب الشرقي للمغرب قبل أن ينتقل إلى الزوايا والمدن العتيقة ودكاكين الصناع ومجالس الأسر. وهو ليس مجرد لون موسيقي، بل ذاكرة شعرية تحفظ قروناً من التدين والحب والفكاهة والتحولات الاجتماعية. وقد منحته اليونسكو سنة 2023 اعترافاً عالمياً يفرض اليوم مسؤولية أكبر: صونه باعتباره فناً حياً، لا قطعة معروضة في متحف.

• • 5 دقيقة للقراءة • 👁 27 مشاهدة • 💬 0 تعليق
AR
الملحون… حين أودع المغرب ذاكرته في القصيدة والنغمة

قبل الموسيقى تأتي الكلمة.

قصيدة طويلة، دقيقة البناء، تنطق بدارجة مغربية غنية بالصور والأمثال والإشارات الدينية وتفاصيل الحياة اليومية. بعدها يدخل العود والكمان والرباب والإيقاع. يحمل المنشد أبيات القصيدة، فتجيبه المجموعة في تتابع يمنح النص هيبته وحركته.

في الملحون، لا تطغى الموسيقى على الشعر. إنها تكشف معانيه.

من تافيلالت إلى حواضر المملكة

يحدد الملف الذي قدمه المغرب إلى اليونسكو منطقة تافيلالت، في الجنوب الشرقي للمملكة، بوصفها أحد المراكز التاريخية لنشأة الملحون. وقد تطور الفن في البداية داخل بعض زوايا المنطقة، قبل أن ينتقل تدريجياً إلى المدن الكبرى، حيث وجد حاضنة مهمة داخل نقابات الصناع التقليديين وأوساط الحرفيين في المدن العتيقة. ولا يتفق الباحثون على تاريخ واحد لبدايته. فبعض الدراسات ترجع ظهور التقليد الأدبي الغنائي المعروف بالملحون إلى مطلع القرن الخامس عشر، فيما تربطه دراسات أخرى بأشكال أقدم من الشعر الزجلي والتعبير باللهجات المحلية.

لم يولد الملحون إذن في لحظة واحدة، ولم يكن إبداع شاعر منفرد. لقد تشكل عبر أجيال من التناقل الشفهي والمخطوطات والتعلم على أيدي الشيوخ.

ومن تافيلالت انتقل إلى مراكش ومكناس وفاس وسلا والرباط وأزمور ومدن أخرى. ومنحته كل حاضرة أسلوباً في الأداء وذاكرة محلية ونكهة موسيقية خاصة.

لهذا كان الملحون مغربياً في عمقه ومتعدداً في روافده.

الدارجة تتحول إلى لغة أدبية

من أعظم منجزات الملحون أنه جعل من الدارجة المغربية لغة شعرية رفيعة.

استفاد شعراؤه من مفردات العربية الفصحى، ومن لغة الأسواق والحرف والزوايا والبيوت. جمعوا بين الدين والحكمة والأمثال والطبيعة وتفاصيل الحياة، ثم صاغوا كل ذلك داخل بناء دقيق.

فالقصيدة الملحونية ليست كلاماً عفوياً بلا قواعد. إنها تخضع لموازين وإيقاعات وتنقسم إلى مقاطع يؤديها المنشد، تتخللها عادة «الحربة»، وهي اللازمة التي ترددها المجموعة.

ويقوم هذا الفن على أدوار متكاملة: شاعر ينظم، وحافظ ينقل، ومنشد يفسر النص بصوته، وعازفون يبنون حوله مجاله الموسيقي.

إنه أدب كُتب كي يُسمع.

ديوان الحياة المغربية

يحتل المديح الديني مكانة كبرى في الملحون، لكنه لا يستحوذ على جميع موضوعاته.

فالقصائد تتناول الحب والجمال والطبيعة والاحتفال والطعام والأسفار المتخيلة والأحداث السياسية والقضايا الاجتماعية. وترى اليونسكو أن هذه النصوص تختزن ذاكرة جماعية وتستحضر قضايا المجتمع عبر القرون، كما تحمل رسائل أخلاقية وتربوية.

قد تمجد القصيدة الخالق والرسول، أو تصف عذاب العاشق، أو تحتفي بمدينة مغربية، أو تحول شيئاً يومياً إلى موضوع ساخر.

ويكشف فن «الحراز» عن البعد المسرحي في الملحون. تدور حكايته عادة حول حارس غيور يمنع شابة من لقاء حبيبها، بينما يلجأ العاشق إلى الحيلة للوصول إليها. وقد خرجت بعض هذه القصائد من مجال الإنشاد إلى المسرح والفنون الحديثة.

تلك هي قوة الملحون: إنه يرفع تفاصيل الحياة اليومية إلى مستوى الفن، دون أن يفقد لغتها الشعبية.

موسيقى في خدمة القصيدة

ترافق الإنشاد آلات تقليدية أبرزها العود والكمان والرباب والإيقاعات الصغيرة، وهي الآلات الواردة أيضاً في الوصف الرسمي لليونسكو.

لكن الفرقة ليست موجودة لاستعراض المهارة الموسيقية على حساب النص. وظيفتها أن تدعم القصيدة، وتبرز تحولاتها العاطفية، وتفسح المجال أمام تجاوب المجموعة.

لذلك لا يكفي أن يمتلك المؤدي صوتاً جميلاً. عليه أن يفهم الدارجة القديمة، ويضبط النطق والإيقاع، ويستوعب دلالات الكلمات. وقد تفقد القصيدة روحها حين تُغنى دون فهم.

انتقلت هذه المعارف تاريخياً من المعلم إلى المتعلم، عن طريق الاستماع والتكرار والمرافقة الطويلة. ولا يزال هذا الأسلوب قائماً، إلى جانب التكوين الذي توفره بعض الجمعيات والفرق والمعاهد الموسيقية.

شعراء وشيوخ حفظوا الذاكرة

يحمل تاريخ الملحون أسماء شعراء من عصور ومدن مختلفة، من بينهم سيدي قدور العلمي والتهامي المدغري والجيلالي امتيرد وأحمد الغرابلي وأحمد سهوم وإدريس بن علي وبن علي المسفيوي الدمناتي.

وعملت أكاديمية المملكة المغربية على جمع دواوين عدد من هؤلاء الشعراء وتحقيقها ونشرها ضمن «موسوعة الملحون». وقد ساهم هذا العمل في حماية نصوص ظلت زمناً طويلاً رهينة المخطوطات وذاكرة الشيوخ والمنشدين. 

وفي القرن العشرين، أصبح الحاج الحسين التولالي واحداً من أبرز أصوات الملحون، وساهم في نقله من مجالس العارفين إلى المسارح الوطنية والدولية.

ومع مرور الوقت، اتسعت دائرة الممارسين. وتشير اليونسكو إلى أن الملحون أصبح محل تقدير وممارسة من الرجال والنساء. كما تؤدى نصوصه أساساً بالدارجة المغربية، وأحياناً بالعبرية، بما يعكس المكون اليهودي المغربي داخل هذا التراث المشترك.

يوم دخل الملحون سجل التراث الإنساني

في 6 دجنبر 2023، وافقت اللجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي، المجتمعة في كاساني ببوتسوانا، على إدراج «الملحون، فن شعري موسيقي شعبي» ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية. لم يكن الاعتراف موجهاً إلى لون موسيقي فقط. لقد شمل مجتمعاً كاملاً من الشعراء والمنشدين والعازفين والباحثين والجمعيات والأسر التي حافظت على هذا الفن.

وكان الملحون قد أُدرج منذ أكتوبر 2018 ضمن جرد التراث الثقافي المغربي. كما شارك شعراء وفنانون ورؤساء فرق وباحثون جامعيون في الاجتماعات والمشاورات المرتبطة بإعداد ملف الترشيح. لكن الإدراج لا يعني أن مهمة الصون قد انتهت.

كيف نحمي الملحون دون أن نجمده؟

لا يبدو أن الملحون مهدد بالاختفاء الفوري، لكنه يواجه خطر الابتعاد عن الأجيال الجديدة.

طول القصائد، وصعوبة بعض مفرداتها، وقلة فضاءات التعلم، كلها عوامل قد تجعل الشاب يعتبره فناً مغلقاً لا يخاطب زمنه.

الحل ليس في اختصار القصائد حتى تفقد بنيتها، بل في توفير مفاتيح لفهمها: دواوين مشروحة، تسجيلات صوتية مرممة، حفلات مترجمة، محتوى رقمي، ورشات مدرسية وتكوين داخل المعاهد.

وتؤدي مهرجانات سلا ومراكش وأزمور وتارودانت دوراً مهماً في إبقاء الفن حاضراً. وتهدف تظاهرة «نزهة الملحون» في سلا، مثلاً، إلى توسيع دائرة المهتمين وتشجيع الإبداع لدى الممارسين.

ويمكن للتجارب الموسيقية الحديثة أن تقرب الملحون من جمهور جديد، شريطة ألا تصبح بديلاً عن تعلم أصوله ونصوصه ومدارسه.

رسالة إلى مغاربة العالم

يحمل الملحون قيمة خاصة بالنسبة إلى أبناء الجالية المغربية.

إنه يقدم لهم دارجة أدبية قد لا يسمعونها في حياتهم اليومية. ومن خلاله يستطيعون الاقتراب من تاريخ المغرب كما عاشته الأجيال السابقة: عبر العاطفة والدعاء والسخرية والحكمة، لا عبر التواريخ الرسمية وحدها.

ولا ينبغي أن يقتصر حضوره في الخارج على حفلات المناسبات. يمكن تنظيم ورشات ثنائية اللغة، وترجمة القصائد وشرحها، واستضافة الشيوخ والفنانين، وربط المعاهد الموسيقية المغربية بنظيراتها في أوروبا وأمريكا الشمالية.

فالتراث لا يعيش بمجرد تسجيله في قائمة دولية. إنه يعيش عندما تجد الأجيال الجديدة سبباً كي تتلقاه، وتفهمه، ثم تضيف إليه صوتها.

عبر الملحون، لم يترك المغرب قصائده القديمة فقط. لقد ترك صورته الداخلية: إيمانه، حبه، فرحه، قلقه وقدرته المتجددة على تحويل الحياة إلى شعر.

هل أعجبك هذا المقال؟
حجم الخط 100%

↗ مقالات ذات صلة

💬 التعليقات (0)

💬

لا توجد تعليقات. كن أول من يعلق!

✏️ اكتب تعليقك

لن يُنشر
0/1000