بانوراما مميز

سارة شعري.. بطلة بجذور مغربية تبني مستقبلها بين البساط وكلية الطب

بطلة العالم مرتين، وصاحبة أول ميدالية أولمبية بلجيكية في التايكواندو، وطالبة في كلية الطب بجامعة بروكسل الحرة. في الحادية والعشرين من عمرها، أضافت سارة شعري إلى سجلها جائزة الاستحقاق الرياضي الوطني البلجيكي لعام 2026، مؤكدة أن مسيرتها لا تنحصر في الميداليات وحدها.

• • 4 دقيقة للقراءة • 👁 1 مشاهدة • 💬 0 تعليق
AR
سارة شعري.. بطلة بجذور مغربية تبني مستقبلها بين البساط وكلية الطب

تعيش سارة شعري وفق توقيتين مختلفين. في التايكواندو، قد تحسم أجزاء من الثانية نتيجة نزال كامل. وفي دراسة الطب، يقاس الزمن بالمحاضرات والامتحانات والتدريب السريري الطويل.

وبين العالمين، بنت الشابة البلجيكية ذات الجذور المغربية نظام حياة لا يترك مساحة واسعة للصدفة.

ولدت سارة في بلجيكا يوم 2 مايو 2005، ونشأت في منطقة شارلروا. والدها مغربي ووالدتها بلجيكية. بدأت ممارسة التايكواندو في سن الخامسة، بعد أن سجلها والداها في أحد الأندية الرياضية. كما مارس شقيقها اللعبة نفسها.

سرعان ما تجاوزت الرياضة حدود النشاط المدرسي. وبعد ظهور موهبتها، التحقت بتدريبات النخبة التابعة لاتحاد التايكواندو الناطق بالفرنسية في أندرلخت، قرب بروكسل. ومنذ ذلك الحين، أصبح يومها يتحرك بين الجامعة وقاعة التدريب.

عام واحد غيّر مسيرتها

في أغسطس 2022، فازت سارة شعري ببطولة العالم للشابات في صوفيا. وبعد بضعة أشهر، شاركت في أول بطولة عالم للكبار بمدينة غوادالاخارا المكسيكية. كان عمرها آنذاك 17 عاما فقط، لكنها لم تذهب من أجل اكتساب الخبرة. فازت بذهبية وزن أقل من 62 كيلوغراما، وأصبحت أول بلجيكية تحقق لقب العالم في التايكواندو النسائي. كما أصبحت أول لاعبة في تاريخ هذه الرياضة تجمع بين لقبي العالم للشابات والكبار خلال السنة نفسها.

واصلت الصعود في 2023، عندما فازت بذهبية الألعاب الأوروبية، قبل أن تنتقل إلى وزن أقل من 67 كيلوغراما وتفوز بالجائزة الكبرى في مانشستر، لتضمن تأهلها إلى دورة الألعاب الأولمبية في باريس. كان الانتقال إلى فئة جديدة يتطلب أكثر من زيادة الوزن. كان عليها تطوير القوة الجسدية من دون خسارة السرعة والحركة اللتين ميزتا أسلوبها.

برونزية صنعت تاريخا للرياضة البلجيكية

في أولمبياد باريس 2024، بلغت سارة الدور نصف النهائي قبل أن تنهزم أمام المجرية فيفيانا مارتون. وكان عليها أن تتجاوز خيبة الهزيمة بسرعة، لأن نزال الميدالية البرونزية كان لا يزال ينتظرها. بدأت مواجهتها أمام الأوزبكية أوزودا سوبيرجونوفا بصورة صعبة. لكنها عدّلت المسافة، وغيرت طريقة إدارة النزال، ونجحت في العودة خلال الجولات التالية.

في التاسعة عشرة من عمرها، أحرزت الميدالية البرونزية، وقدمت إلى بلجيكا أول ميدالية أولمبية في تاريخ مشاركاتها برياضة التايكواندو. لم تكن البرونزية نهاية مشروعها. كانت دليلا على قدرتها على التعامل مع ضغط الألعاب الأولمبية، حيث لا تتكرر الفرصة إلا كل أربع سنوات.

العودة إلى قمة العالم

بعد باريس، انتقلت سارة إلى فئة أقل من 73 كيلوغراما. في بطولة العالم لعام 2025 بمدينة ووشي الصينية، تغلبت في طريقها إلى اللقب على الفرنسية ألثيا لوران، البطلة الأولمبية في باريس. ثم فازت في النهائي على الإيفوارية كيمي لورين أوسان، محرزة ثاني ألقابها العالمية لدى الكبيرات.

اختلف هذا اللقب عن ذهبية 2022. في المرة الأولى، دخلت المنافسة كموهبة مراهقة فاجأت العالم. أما في 2025، فقد شاركت بوصفها واحدة من أبرز المرشحات، واللاعبة التي تستعد جميع المنافسات لمواجهتها. وفي مايو 2026، أضافت لقبا أوروبيا جديدا في ميونيخ، مؤكدة موقعها في صدارة التصنيف العالمي لفئتها.

تكريم بلجيكي لمسيرة تجاوزت حدود اللعبة

في 15 أكتوبر 2026، اختيرت سارة شعري لنيل جائزة الاستحقاق الرياضي الوطني البلجيكي، وهي من أعرق الجوائز الرياضية في البلاد. تأسست الجائزة سنة 1928، ولا يمكن للرياضي أو الفريق الفوز بها أكثر من مرة واحدة. ويضم سجلها أسماء بارزة في تاريخ الرياضة البلجيكية، من بينها إيدي ميركس ونافي تيام وريمكو إيفينبول. وتعد سارة أول رياضية من التايكواندو تحصل على هذه الجائزة. ولم يكن الاختيار مكافأة على بطولة واحدة، بل اعترافا بالاستمرارية التي أظهرتها خلال عدة مواسم.

الطب ليس مجرد تفصيل في سيرتها

تقدم دراسة الطب أحيانا باعتبارها معلومة إضافية تجعل السيرة الرياضية أكثر إثارة. لكنها بالنسبة إلى سارة مشروع مستقل وحقيقي. تتابع دراستها في كلية الطب بجامعة بروكسل الحرة، وتستفيد من برنامج مخصص لمساعدة الطلبة الرياضيين من المستوى العالي على التوفيق بين الدراسة والمنافسات. غير أن المرونة الإدارية لا تلغي صعوبة التكوين. يمتد برنامج الطب في الجامعة ست سنوات، وتزداد خلال مراحله الأخيرة مدة التداريب السريرية داخل المستشفيات.

وتفرض المنافسات الدولية السفر والاستعداد البدني ومراقبة الوزن والتعافي. أما دراسة الطب فتتطلب الاستمرارية والتركيز والالتزام ببرنامج أكاديمي لا يمكن تأجيله بصورة دائمة. قد تبدو الرياضة والطب عالمين متباعدين، لكنهما يلتقيان في صفات أساسية: الدقة، وسرعة اتخاذ القرار، والقدرة على التحكم في الضغط، والاستعداد للتعلم المستمر.

جذور مغربية من دون مصادرة هويتها

تمثل سارة شعري بلجيكا في المنافسات الدولية، وتلقت تكوينها داخل المنظومة الرياضية البلجيكية. إنجازاتها جزء كامل من تاريخ الرياضة في هذا البلد. وفي الوقت نفسه، يمنحها انتماؤها العائلي المغربي مكانة خاصة لدى مغاربة بلجيكا والجاليات المغربية في أوروبا.

لكن هذا البعد ينبغي تناوله بدقة. فالمصادر المتاحة تؤكد أن والدها مغربي ووالدتها بلجيكية، لكنها لا تقدم تفاصيل كافية عن علاقتها الشخصية بالمغرب أو زياراتها إلى المملكة أو حضور الثقافة المغربية داخل حياتها العائلية.

لا ينبغي للصحافة أن تضع الكلمات في فمها. الأجدر أن تسألها كيف تفهم جذورها، وما الذي يعنيه المغرب بالنسبة إليها. المؤكد أن مسيرتها تعكس صورة حديثة للانتشار المغربي في أوروبا: جيل لا يكتفي بالاندماج في مجتمعه، بل يساهم في صناعة إنجازاته الرياضية والعلمية.

لوس أنجلوس 2028.. الذهب الغائب

رغم لقبي العالم وبرونزية باريس، لا يزال الذهب الأولمبي غائبا عن سجل سارة شعري. ولذلك تشكل ألعاب لوس أنجلوس 2028 هدفها الرياضي الأكبر.

سيكون عليها التوفيق بين التحضير الأولمبي ومرحلة متقدمة من دراسة الطب، إلى جانب التأقلم مع فئات الوزن الأولمبية التي تختلف عن التقسيم المعتمد في بطولات العالم.

في الحادية والعشرين من عمرها، يمكن أن تشارك في أكثر من دورة أولمبية مقبلة. لكن تحديها لم يعد الوصول إلى القمة فقط. لقد أصبح الحفاظ على الموقع نفسه، بينما تبني مهنة تستمر بعد انتهاء المنافسات.

قد ترتدي سارة شعري المعطف الطبي بعد اعتزالها، وقد تواصل المنافسة لسنوات طويلة. في الوقت الراهن، لا تقبل أن تختار مستقبلا واحدا. وعلى البساط كما في كلية الطب، تبدو خطتها واضحة: بناء المسارين معا، خطوة بعد أخرى، وبالانضباط نفسه.

هل أعجبك هذا المقال؟
حجم الخط 100%

↗ مقالات ذات صلة

💬 التعليقات (0)

💬

لا توجد تعليقات. كن أول من يعلق!

✏️ اكتب تعليقك

لن يُنشر
0/1000