تراجعت أزمة سبتة في نشرات الأخبار، لكنها لم تنته على الأرض. تقول السلطات الإسبانية إنها استعادت السيطرة على الشواطئ وفككت أبرز المخيمات العشوائية. وعاد آلاف الأشخاص إلى المغرب، في حين أُسكن آخرون في مرافق مؤقتة أو تقدموا بطلبات للحماية الدولية. غير أن عدداً يصعب تحديده ما زال يعيش في الشوارع أو داخل مبانٍ مهجورة، فيما يختبئ آخرون تفادياً لتوقيفهم. السؤال اليوم لم يعد مقتصراً على كيفية دخول هؤلاء إلى سبتة، بل يتعلق بمصيرهم القانوني والإنساني بعد مرور أسابيع طويلة على وصولهم.
عودة 12 ألف شخص من دون حصيلة نهائية
يؤكد وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا أن نحو 12 ألف شخص عادوا طوعاً إلى المغرب منذ منتصف غشت. وتنفي مدريد تنفيذ عمليات ترحيل سرية، وتقول إن عمليات العبور نحو المغرب تمت بإرادة المعنيين.
في المقابل، تشكك منظمات إنسانية في الطابع الطوعي لبعض الحالات. فقد تحدث مهاجرون عن نقلهم في حافلات نحو الحدود من دون أن يدركوا وجهتهم الحقيقية أو يحصلوا على استشارة قانونية مسبقة. ولم تثبت هذه الادعاءات بحكم قضائي، لكنها كانت من بين الأسباب التي دفعت جمعيات إلى تقديم شكاية إلى مؤسسة المدافع عن الشعب في إسبانيا.
لا يوجد أيضاً رقم رسمي نهائي للمهاجرين الباقين في سبتة. ويقدر ممثل نقابي للشرطة عددهم بما بين سبعة آلاف وثمانية آلاف شخص. أما الحكومة الإسبانية، فلم تعتمد هذا التقدير، معتبرة أنه يستحيل إحصاء المختبئين في التلال والمباني المهجورة ومختلف أحياء المدينة.
ويحول غياب سجل موحد دون معرفة عدد المغاربة الذين تقدموا فعلياً بطلبات لجوء، وعدد الذين ينتظرون التسجيل، ومن غادر منهم من دون أن يظهر في الإحصاءات المنشورة.
ملفات اللجوء تتقدم بوتيرة بطيئة
بحسب الأرقام التي أعلنها وزير الداخلية الإسباني، جرى تسجيل ما يصل إلى 1200 طلب للحماية الدولية والبت في نحو 700 ملف. لكن وتيرة التسجيل لم تكن تتجاوز، في منتصف أكتوبر، قرابة مئة شخص يومياً.
وقد أنتج هذا التأخر حالة انتظار قاسية. تعمل بعض الجمعيات فوق طاقتها العادية، بينما ينام مهاجرون في الشوارع أو يتنقلون داخل المدينة تفادياً للمراقبة. كما سجل أطباء حالات إصابة بالجرب والسل واضطرابات في الجهاز الهضمي، ربطوها بالبقاء الطويل في العراء وضعف شروط النظافة.
تقول الحكومة الإسبانية إنها تجمع بين حفظ النظام والمعاملة الإنسانية. وعززت فرق الشرطة واللجوء، ورصدت موارد مالية للأمن والاستقبال ودعم اقتصاد سبتة. كما اعتبرت تفكيك مخيمات الشواطئ «نقطة تحول» في إدارة الأزمة. غير أن اختفاء الخيام من الواجهة لا يعني أن جميع أصحابها حصلوا على حل قانوني أو إنساني.
الجنسية المغربية لا تلغي حق طلب اللجوء
قد تعتبر السلطات الإسبانية أن قسماً كبيراً من الوافدين المغاربة دخلوا لأسباب اقتصادية، ومن ثم تقرر إعادتهم. لكن القانون لا يسمح بتطبيق هذا التوصيف آلياً على الجميع.
تفرض القواعد الأوروبية دراسة كل حالة بصورة فردية. كما أن اعتبار بلد معين آمناً لا يلغي حق أحد مواطنيه في طلب الحماية إذا أثبت وجود خطر شخصي. وقد ترتبط هذه المخاطر بالاضطهاد أو العنف الأسري أو التوجه الجنسي أو الحالة الصحية أو غيرها من أوضاع الهشاشة.
دخل الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء حيز التطبيق في 12 يونيو 2026. وهو يتيح تسريع بعض الإجراءات الحدودية، لكنه يفرض تسجيل الوافدين والتحقق من هوياتهم وإجراء فحوص أمنية وصحية وتقييم حالات الهشاشة قبل توجيههم نحو مسار اللجوء أو العودة.
ولا يجوز اللجوء إلى الاحتجاز إلا كخيار أخير، بعد تقييم فردي وتحت رقابة قضائية.
وتؤكد وزارة الداخلية الإسبانية أن طالبي الحماية على الحدود يستفيدون من المساعدة القانونية، ومن إمكانية تدخل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فضلاً عن حق طلب إعادة النظر في القرار.
القاصرون في قلب الأزمة
يبقى وضع القاصرين غير المصحوبين بذويهم الأكثر حساسية. وتشير المعطيات المتاحة إلى نقل ما لا يقل عن 262 قاصراً إلى البر الإسباني منذ أزمة يوليوز، بينما قد يكون آخرون في انتظار التسجيل أو الإحالة على مؤسسات حماية الطفولة.
وأظهرت تقارير محلية شباناً ينامون أمام مرافق تابعة للشرطة بعد إخلاء موقع عشوائي كانوا يقيمون فيه. وتكشف هذه المشاهد صعوبة تحديد السن والهوية والحاجات الحمائية عندما تكون الإدارات ومراكز الاستقبال في حالة اكتظاظ.
تفرض القواعد الأوروبية تعيين ممثل للقاصر غير المصحوب بسرعة، كما تستبعد إخضاعه للمسطرة الحدودية العادية إلا في حالات أمنية استثنائية. ولا يمكن إرجاع القاصر بالطريقة نفسها المعتمدة مع شخص بالغ، إذ يتطلب ذلك التحقق من وضعه الأسري وضمان احترام مصلحته الفضلى.
ثلاثة مسارات محتملة وانتظار مفتوح
توجد أمام المغاربة الباقين في سبتة ثلاثة مسارات رئيسية. يمكن لمن يُقبل طلبه مواصلة مسطرة الحماية الدولية في إسبانيا. وقد يُنقل الأشخاص الأكثر هشاشة إلى مرافق مناسبة، بما فيها مراكز داخل البر الإسباني. أما من لا يطلب اللجوء أو يصدر في حقه رفض نهائي، فقد يخضع لإجراء العودة إلى المغرب وفق الضمانات القانونية المقررة.
لكن لا يوجد جدول زمني موثوق لإنهاء جميع الملفات. ويبدو احترام الأجل الأوروبي المستهدف، المحدد في اثني عشر أسبوعاً، صعباً بالنظر إلى حجم الطلبات ونقص الموارد وبقاء أشخاص لم يُسجلوا بعد.
وتواجه الأسر المغربية التي تبحث عن أبنائها مشكلة إضافية: لا توجد لائحة عمومية موحدة تجمع أسماء العائدين إلى المغرب والباقين في سبتة والموجودين في المستشفيات والقاصرين الموضوعين تحت الرعاية. لذلك تبرز الحاجة إلى تنسيق أوضح بين السلطات الإسبانية والمصالح القنصلية المغربية والمنظمات الإنسانية.
لا ينبغي أن تتحول سبتة إلى قاعة انتظار بلا سجل ولا معلومات ولا أفق. استعادة النظام على الحدود مسؤولية مشروعة، لكن النجاح الحقيقي سيُقاس بعدد الأشخاص الذين جرى تحديد هوياتهم، والملفات التي دُرست بصورة فردية، والقاصرين الذين حصلوا على الحماية، والأسر التي تلقت أخيراً جواباً موثوقاً.
💬 التعليقات (0)
لا توجد تعليقات. كن أول من يعلق!
✏️ اكتب تعليقك