حصيلة لا تستطيع السياسة تجاهلها
يحمل لقجع إلى الحملة ميزة نادرة: مساراً يرتبط بنتائج يعرف الجمهور متى وأين تحققت. فمنذ ترؤسه الجامعة سنة 2014، خرجت كرة القدم المغربية تدريجياً من دوامة الاضطراب. نصف نهائي مونديال 2022، وبرونزية أولمبياد 2024، وتطور كرة القدم النسوية وفئات الشباب، ثم تنظيم مونديال 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال؛ كلها نقلت المملكة إلى موقع رياضي مختلف.
لا يحقق مسؤول واحد هذه النتائج. ساهم اللاعبون والمدربون والأندية والأطر التقنية والاستثمار العمومي والاستراتيجية الملكية بعيدة المدى. اختزال التحول في شخص واحد غير دقيق، كما أن إنكار دور لقجع غير مقنع. بصمته الأساسية هي سلسلة مترابطة من القرارات: التكوين، والبنيات التحتية، واختيار الأطر، واللوجستيك، والدبلوماسية الرياضية، واستمرارية المؤسسة.
في حملة تنتشر فيها الوعود أسرع من الحصائل، تتحول ثقافة التنفيذ إلى رأسمال سياسي. لكنها تتحول أيضاً إلى التزام: من يقدم الأداء الرياضي دليلاً على الكفاءة عليه أن يقبل التقييم الصارم نفسه في الميزانية والصحة والتعليم والشغل والماء والفوارق بين الجهات.
مغاربة العالم مختبر لطريقة لقجع
قد يكون التعامل مع مزدوجي الجنسية أهم درس يمكن نقله إلى الدولة. لم تنتظر الجامعة وصول المواهب إلى الرباط، بل بنت شبكات للرصد في أوروبا، وتابعت اللاعبين مبكراً، وتواصلت مع أسرهم، وقدمت لهم مشروعاً رياضياً مقنعاً.
تختلف مسارات أشرف حكيمي وياسين بونو وسفيان أمرابط ونصير مزراوي وبلال الخنوس وإبراهيم دياز. لكنها تعبر عن تحول واحد: التكوين المكتسب في فرنسا أو إسبانيا أو هولندا أو بلجيكا أو كندا أصبح خبرة يستطيع المغرب استيعابها، لا دليلاً على ابتعاد صاحبها عنه.
السؤال يتجاوز كرة القدم. إذا كان المغرب قادراً على العثور على ظهير شاب داخل أكاديمية أوروبية، ومتابعته سنوات، واقتراح دور واضح عليه، فلماذا لا يستخدم الدقة نفسها مع باحثة في التكنولوجيا الحيوية، أو مهندس مياه، أو خبيرة في الذكاء الاصطناعي، أو طبيب، أو مقاول من مغاربة العالم؟
لا تحتاج الجالية إلى خطاب جديد عن «الكفاءات» ولا إلى دعوة سنوية للاستثمار فقط. تحتاج إلى مهام محددة وصلاحيات وموارد ومشاركة في القرار. وفي هذا المجال، بدت الجامعة أحياناً أكثر قدرة على التنفيذ من الإدارة.
النفوذ الدولي باعتباره خبرة سياسية
لا تقتصر خبرة لقجع على المستطيل الأخضر. فهو عضو في مجلس الفيفا ونائب لرئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، ما يضع المغرب داخل المفاوضات المتعلقة بالمسابقات والتمويل وحوكمة اللعبة عالمياً. وتدرجه الفيفا ضمن قيادة الكاف.
يجسد مونديال 2030 هذا النفوذ. فالملف المشترك مع إسبانيا والبرتغال نتيجة تعبئة أوسع تشمل الدبلوماسية الملكية والحكومة والمدن والمقاولات والشركاء الدوليين. ومع ذلك، أصبح لقجع أحد أبرز مفاوضيه ووجوهه.
يمكن لهذه القدرة على بناء التحالفات أن تخدم المغرب في الطاقة والماء والصناعة والاستثمار والتكوين والتعاون الإفريقي. لكن الوصول إلى مراكز القرار لا يعفي من الشفافية. ينبغي أن ترافق الشبكات والمشاريع الكبرى صفقات واضحة وتقييمات مستقلة وحسابات عمومية. تنتج الدبلوماسية الرياضية نفوذاً، ولا ينبغي أن تنتج مساحات خارج الرقابة.
«انتقال» إلى الأصالة والمعاصرة غيّر الحملة
لم يدخل لقجع السياسة سنة 2026. فهو وزير منتدب مكلف بالميزانية منذ 2021، وسبق أن عمل مفتشاً للمالية. يعرف تحكيمات الخزينة وكلفة السياسات وحدود الإنفاق. الجديد هو انتماؤه الحزبي المعلن.
أحدث انضمامه إلى حزب الأصالة والمعاصرة يوم 25 يوليوز أثر صفقة كبيرة، ثم صار وجهاً مركزياً في تجمعات الحزب. لكن المعطيات المنشورة في 15 شتنبر أشارت إلى أنه لا يترشح شخصياً ضمن لائحة برلمانية. وعندما سُئل عن رئاسة الحكومة، قال إنه لم يفكر فيها، وأحال المراحل التالية على المسار الدستوري لما بعد الاقتراع.
تخلق هذه الوضعية أملاً والتباساً في آن واحد. يستفيد الحزب من شعبية شخصية مرتبطة بالإنجاز، بينما لا يصوت الناخبون لها مباشرة. لذلك لا يجوز اختزال النقاش في صورة لقجع؛ بل ينبغي فحص البرنامج والمرشحين والالتزامات الممولة والقدرة الجماعية على الحكم.
تدخلات المنافسين والكرة العائدة
انتقد عزيز أخنوش «ميركاتو» خصوم قال إنهم انتظروا نهاية الولاية لاستقطاب أسماء جديدة. وهاجم عبد الإله بنكيران حزب الأصالة والمعاصرة والقضايا التي مست بعض مسؤوليه. تظل هذه تصريحات حملة وليست أحكاماً على لقجع.
لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً: هل يستطيع حزب استعارة سمعة مدير ناجح من دون إثبات جودة فريقه كله؟ وينطبق السؤال على المنافسين أيضاً. فلا يمكنهم اختزال لقجع في عملية تواصلية، من دون تفسير ضعف قدرة أحزابهم على إنتاج مسؤولين يرتبطون في نظر الجمهور بالتنفيذ.
وتعود الكرة إلى لقجع نفسه. فهو عضو في الحكومة المنتهية ولايتها، ولا يستطيع احتساب كل نجاح لحسابه والتعامل مع كل نقص باعتباره إرثاً للآخرين. تشمل الحصيلة الولوج إلى العلاج، والتعلم داخل المدارس، والبطالة، والقدرة الشرائية، والفجوة بين المدن الكبرى والأقاليم. لا تكون ثقافة النتيجة مقنعة إلا عندما تقبل لوحة النتائج كاملة.
23 شتنبر ليس نهائي كأس
يسهل وصف الانتخابات بمنطق المباراة: مرشحون مفضلون، وصفقات، وهجمات، ونتيجة نهائية. لكن التشبيه قد يختزل السياسة. فالوطن ليس مستودع ملابس، والمواطنون ليسوا أساسيين واحتياطيين. من حقهم مناقشة الأولويات وطلب الحساب وتغيير المسؤولين.
تسرّع البنية العمودية في كرة القدم اتخاذ القرار. أما الدولة فتعمل من خلال البرلمان والقضاء والصحافة والجماعات والمجتمع المدني وقواعد الصفقات العمومية. لا تعني الفعالية الديمقراطية إزالة الرقابة، بل القدرة على العمل مع جعل الرقابة حقيقية.
هنا تصبح تجربة لقجع مهمة سياسياً. توحي مسيرته بأن الهدف البعيد يحتاج إلى سلسلة متماسكة ومسؤوليات واضحة ومؤشرات. وتحتاج السياسات العمومية إلى وضوح مماثل: مدة الانتظار في المستعجلات، والتعلم الفعلي، وفرص الشغل المستدامة، وتقليص ضياع المياه، ووصول المقاولات الصغرى إلى الصفقات، وتراجع الفوارق الجهوية.
بعد الملاعب يأتي اختبار الحياة اليومية
يستثمر المغرب بقوة في البنيات المرتبطة بعام 2030: ملاعب ومطارات وسكك حديدية وتنقل حضري. قد تسرع هذه المشاريع تحديث البلاد، لكنها لن تحظى بشرعية دائمة إلا إذا حسنت الحياة اليومية، وضبطت استهلاك الماء والطاقة، وخدمت الاقتصادات المحلية بعد البطولات، ولم تُبعد الاهتمام عن الخدمات الأساسية.
دافع لقجع في بوعرفة وبركان عن دعم فلاحي مباشر، وحد أدنى للمعاش يبلغ ثلاثة آلاف درهم، وحماية أفضل للأرامل، وفكرة «مغرب يسير بسرعة واحدة». يستهدف الخطاب العدالة المجالية، لكن وزير الميزانية يعرف أن الوعد الاجتماعي يحتاج إلى كلفة وتمويل وجدول زمني وجهة مسؤولة عن التنفيذ.
هذا هو التحدي الحقيقي لتشريعيات 23 شتنبر. السؤال ليس ما إذا كانت شعبية كرة القدم ستساعد حزباً على الفوز، بل ما إذا كانت خبرة التدبير قادرة على التحول إلى عقد ديمقراطي قابل للقياس.
ساهم لقجع في إقناع لاعبين من مغاربة العالم بأن المغرب يقدم مشروعاً يليق بمواهبهم. وتفرض عليه السياسة مهمة أوسع: إقناع المواطنين بأن الأداء العمومي سيشمل أيضاً من لن يدخلوا الملعب أبداً. ستقدم ليلة الاقتراع نتيجة سياسية فقط. أما الترتيب الحقيقي فسيُكتب بعد ذلك في المدرسة والمستشفى والشغل والماء والإنصاف بين الجهات.
💬 التعليقات (0)
لا توجد تعليقات. كن أول من يعلق!
✏️ اكتب تعليقك