1984: ولادة «نائب الهجرة»
بدأت القصة بظهير شريف. فالإطار القانوني المنظّم لترشيحات المغاربة المقيمين بالخارج وُضع بمقتضى ظهير صادر في يناير 1984، موقّع — كما هو شأن كل ظهير — من طرف الملك الحسن الثاني. أما التنفيذ فقد أُسند إلى وزارة الداخلية التي كان يقودها آنذاك إدريس البصري، والتي أشرفت على التنظيم المادي للاقتراع، وهو ما جعل الصحافة تربط النص باسمه لعقود. وتؤرّخ كرونولوجيا نشرتها مجلة Afrique contemporaine لإحداث الدوائر الانتخابية بالخارج فعلياً في 16 غشت 1984، تلاه في السنة نفسها انتخاب خمسة نواب بالاقتراع العام المباشر.
كان التقطيع الانتخابي مذهلاً في اتساعه: خمس دوائر خارج التراب الوطني، مركزها باريس وليون وبروكسيل ومدريد وتونس. وقُسّمت فرنسا، التي كانت تضم الجزء الأكبر من الهجرة المغربية، إلى دائرتين أنتجتا نائبين. وجرى التصويت أساساً في إطار السفارات والقنصليات المغربية.
وثمة تفصيل يختصر تلك المرحلة: فهؤلاء النواب، الذين انتُخبوا في البداية لولاية من ست سنوات، ظلّوا في نهاية المطاف يشغلون مقاعدهم إلى غاية 1992 بسبب تأجيل الانتخابات التشريعية مرات عدة.
خمسة رجال، خمسة عوالم
تتيح الأرشيفات إعادة تركيب تركيبة هذا الوفد بدقة، اعتماداً على أعمال الباحث عبد الكريم بلغندوز خصوصاً:
- عقا غازي، نقابي في الكونفدرالية العامة للشغل الفرنسية (CGT)، انتُخب في باريس باسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ممثلاً لمغاربة العاصمة ومنطقة باريس وشمال فرنسا. زكّاه اتحاد عبد الرحيم بوعبيد، وظل الأشهر بين الخمسة.
- إبراهيم بربّاش، مزكّى من «المركز الاجتماعي» في ليون، ممثلاً لمغاربة جنوب فرنسا.
- مرزوق أحيدار، عن الاتحاد الدستوري، في بروكسيل، عن دائرة تشمل دول البينيلوكس وألمانيا والدول الإسكندنافية ودول أوروبا الشرقية.
- عبد الحميد نعيم، عن التجمع الوطني للأحرار، في تونس، ممثلاً لمغاربة العالم العربي بأسره.
- رشيد لحلو، عن حزب الاستقلال، في مدريد.
وتكفي واقعة واحدة للكشف عن هشاشة هذا النظام: فرشيد لحلو، الذي أصبح رئيساً للجنة البرلمانية للصيد البحري والملاحة التجارية، عُيّن سفيراً للمغرب في بلغراد. وبقي مقعده شاغراً ببساطة، لأن النظام المغربي لا يعرف نظام النائب الخلف، ولم تُنظَّم أي انتخابات جزئية لتعويضه. هكذا وجدت دائرة تغطي شبه الجزيرة الإيبيرية بأكملها نفسها بلا صوت، دون أن يعترض أحد.
1990: ملف الهجرة ينتقل إلى أيدٍ أخرى
هنا على الأرجح وقع التحوّل الحقيقي. ففي سنة 1990 أُحدثت مؤسستان تباعاً: مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، ثم في 31 يوليوز وزارة مكلفة بالجالية المغربية المقيمة بالخارج.
بذلك وُضع جهاز مؤسساتي جديد لاستعادة زمام ملف الهجرة، وظهرت توترات مع النواب الخمسة. ويقدّم بلغندوز، في مقال نُشر بجريدة العلم سنة 2002، تفسيراً أكثر مباشرة: حرب مصالح بين الوزارة المنتدبة الجديدة وقصيرة العمر وبين النواب الخمسة.
1992-1993: الاختفاء
ظل النواب الخمسة في مقاعدهم حتى 1992. ولم يتم تجديد الدوائر في الولاية التشريعية الموالية: فقد أُلغيت سنة 1993، دون مبرر حقيقي ودون أي تفسير رسمي.
أما الأسباب التي سيقت لاحقاً فهي دائماً نفسها: الاتساع الجغرافي المفرط للدوائر وما ترتب عنه من صعوبة التواصل بين المنتخَبين وناخبيهم، وتنقّل ثلاثة من النواب الخمسة بين الأحزاب في منتصف الولاية، والرغبة في الحفاظ على «روح وحدوية» داخل الجالية.
ويردّ بلغندوز بحجة لم تجد جواباً إلى اليوم: لو طُبّق معيار «التجربة المخيّبة» على البرلمان كله في تلك المرحلة، لوجب إلغاء المؤسسة برمتها بدل إصلاحها. ويشدّد كذلك على أن الإلغاء تم بشكل مفاجئ ودون أي نقاش، في حين أن باقي مكوّنات مجلس النواب جرى تعديلها وتحسينها لا حذفها.
2005-2007: الوعد ثم التراجع
في 6 نونبر 2005، أعلن الملك محمد السادس عن ضرورة إحداث دوائر انتخابية تشريعية بالخارج تمكّن المواطنين المقيمين هناك من اختيار نوابهم في الغرفة الأولى من البرلمان.
لكن التراجع جاء بعد سبعة أشهر فقط. ففي 16 يونيو 2006، كرّس بلاغ مشترك بين وزارة الداخلية وأحزاب الأغلبية — التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية — ما سُمّي «المقاربة التدريجية»: لن يتمكن المغاربة المقيمون بالخارج من التصويت والترشح إلا انطلاقاً من المغرب، لا من بلدان إقامتهم. ولم يعد الخطاب الملكي ليوم 6 نونبر 2006 يذكر تصويت الجالية، التي لم تشارك في اقتراع 2007، وانصبّ التركيز على المجلس الأعلى المرتقب للجالية.
من هذا الاستبدال وُلد مجلس الجالية المغربية بالخارج: مؤسسة استشارية أُحدثت بظهير في دجنبر 2007، ودُسترت سنة 2011، ومهمتها تتبّع وتقييم السياسات العمومية الموجهة للمغاربة بالخارج — لكن دون أي سلطة تمثيلية.
الدستور يقول نعم، والقانون يقول لا
الفصل 17 من دستور 2011 لا يحتمل التأويل: المغاربة المقيمون بالخارج يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح، ويمكنهم الترشح في اللوائح والدوائر الانتخابية المحلية والجهوية والوطنية.
وبعد خمسة عشر عاماً، لا وجود لدائرة واحدة ولا لمقعد واحد مخصص لهم. ففي مارس 2021، رُفض تعديل تقدّم به فريق حزب الاستقلال لفائدة المشاركة المباشرة بـ244 صوتاً مقابل 18. وخلال مناقشة القانون الانتخابي لسنة 2025، أُقصي مرة أخرى خيار الدوائر الخاصة وأُبقي على التصويت بالوكالة.
والقانون التنظيمي رقم 53.25، الذي صرّحت المحكمة الدستورية بمطابقته للدستور في 24 دجنبر 2025، هو الذي أدخل في مادته 72 إمكانية إنجاز الوكالة الانتخابية إلكترونياً بالنسبة للناخبين المسجلين خارج التراب الوطني. وهكذا يتلخّص «تقدّم» 2026 في أمر واحد: رقمنة الاستمارة. وقد فُتحت المنصة في 24 غشت عبر موقعي elections.ma وlisteselectorales.ma، وتُغلق في 22 شتنبر على الساعة الثانية عشرة زوالاً، مع قاعدة صارمة: لا يمكن لناخب داخل المغرب أن يحمل أكثر من وكالة واحدة عن مغربي مقيم بالخارج.
ويطرح بلغندوز منذ 2016 مفارقة قانونية لم تُحسم: كيف أمكن في ظل دساتير سابقة انتخاب نواب عن الجالية من دوائر بالخارج، كما حدث في ولاية 1984-1992، بينما تُرفع في ظل دستور 2011 — المقدَّم على أنه الأكثر انفتاحاً على الحقوق السياسية للجالية — حجةُ الاستحالة القانونية؟
ماذا يفعل الجيران؟
حجة الاستحالة التقنية لا تصمد أمام المقارنة. فقد لاحظ بلغندوز منذ 2007 أن الجالية الجزائرية كانت آنذاك مدعوة للمرة الثالثة لانتخاب ثمانية نواب في دوائر بالخارج، وهو ما يسقط أيضاً الادعاء بأن بلدان الاستقبال تمنع هذا النوع من الاقتراع.
أما فرنسا، التي تحتضن أكبر جالية مغربية في العالم، فقد أحدثت سنة 2008 إحدى عشرة دائرة تشريعية مخصصة لمواطنيها المقيمين خارج البلاد. والمغرب نفسه أثبت قدرته على تنظيم اقتراع قنصلي: فالاستفتاء الدستوري ليوم فاتح يوليوز 2011 هو بالضبط السابقة التي يقترح حزب التقدم والاشتراكية استنساخها اليوم.
كما أن الأحزاب لا تفتقر إلى تصورات مفصّلة. ففي 2014 تقدّم حزب العدالة والتنمية بمقترح قانون يقضي بإحداث أربع دوائر انتخابية بالخارج، مع أربعة مقاعد في مجلس النواب للدوائر التي يقيم بها أكثر من 200 ألف مغربي. وبالنسبة لاستحقاقات 2026، تتنوع المقترحات بين اقتراع قنصلي (التقدم والاشتراكية)، وتصويت مباشر بدوائر خارج التراب الوطني (العدالة والتنمية)، وستين مقعداً بتوزيع جهوي (الاستقلال)، وثلاثين مقعداً إضافياً (الاتحاد الاشتراكي). ولم ينجُ أي من هذه المقترحات من التصويت في الجلسة العامة.
المعادلة التي تظل قائمة
وزن الجالية ليس مالياً فحسب. ففي 2024، حصل 97.056 مغربياً على جنسية إحدى دول الاتحاد الأوروبي، أي 8% من مجموع التجنيسات في الاتحاد، في المرتبة الثانية بعد السوريين، فيما مُنحت 480.354 تأشيرة شنغن قصيرة الأمد لمغاربة سنة 2025. إنها جالية متجذّرة أكثر فأكثر في بلدان إقامتها، وأكثر تأهيلاً من أي وقت مضى.
ومع ذلك تظل مساهمتها في الاستثمار الخاص الوطني دون 10%، في تناقض صارخ مع حجم تحويلاتها المالية. وتلخّص إحدى التحالفات السياسية الرهان في برنامجها: الانتقال من مقاربة تعتبر الجالية مصدراً للتحويلات المالية إلى مقاربة المواطنة الكاملة.
في 23 شتنبر، وبعد اثنتين وأربعين سنة على ظهير 1984، سيكتفي خمسة ملايين مغربي بمشاهدة شخص آخر يصوّت نيابة عنهم.
💬 التعليقات (0)
لا توجد تعليقات. كن أول من يعلق!
✏️ اكتب تعليقك