122 مليار درهم.. رقم ضخم يخفي مفارقة أكبر
تجاوزت تحويلات مغاربة العالم خلال سنة 2025 عتبة 122 مليار درهم، وفق المعطيات التي أبرزها مجلس الجالية المغربية بالخارج خلال المنتدى الوطني للاستثمار المنعقد في طنجة في ماي الماضي.
وفي الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026 وحدها، تجاوزت التحويلات 50 مليار درهم، بارتفاع سنوي بلغ 8.8 في المائة.
غير أن الصورة تصبح مختلفة عند الانتقال من التحويلات إلى الاستثمار.
فبحسب المعطيات نفسها، لا تزال مساهمة مغاربة العالم في الاستثمار الخاص الوطني دون مستوى 10 في المائة.
وهنا تكمن المفارقة.
فالمغرب يمتلك جالية ذات قدرة مالية معتبرة وخبرات موزعة على أهم اقتصادات العالم، لكنه لم يستفد بعد بالقدر نفسه من قدرتها على إنشاء المشاريع والاستثمار المنتج.
حين يتحول الانتماء إلى مشروع اقتصادي
خلال أربعة أيام، تفتح المراكز الجهوية للاستثمار أبوابها أمام حاملي المشاريع من مغاربة العالم، ليس فقط لتعريفهم بمؤهلات الجهات، بل أيضاً لمساعدتهم على الانتقال من الفكرة إلى خطوات عملية.
ويشمل البرنامج لقاءات مع أطر المراكز الجهوية، وعروضاً حول آليات دعم الاستثمار وتحفيزه، إلى جانب تقديم الفرص المتاحة في القطاعات والمجالات الترابية المختلفة وربط المستثمرين المحتملين بالفاعلين الاقتصاديين المحليين.
والفكرة الأساسية هنا بسيطة: أن يجد المغربي المقيم بالخارج أمامه مساراً أكثر وضوحاً حين يقرر استثمار جزء من رأسماله أو خبرته في وطنه.
كما تؤكد الجهات المشرفة أن مواكبة مغاربة العالم لا تنتهي بانتهاء الأسبوع، إذ تظل المراكز الجهوية للاستثمار رهن إشارتهم على مدار السنة، سواء كانوا داخل المغرب أو في بلدان إقامتهم.
الجهات تدخل على خط استقطاب الكفاءات والاستثمارات
ولا تقتصر المبادرة على العاصمة أو المدن الاقتصادية الكبرى.
ففي جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، أطلق المركز الجهوي للاستثمار قافلة موجهة إلى مغاربة العالم، انطلقت من طنجة على أن تشمل محطات في العرائش والحسيمة وتطوان وشفشاون ووزان.
وتهدف القافلة إلى تقريب فرص الاستثمار والخدمات من أفراد الجالية، مع التعريف بالأدوات الرقمية التي يوفرها المركز لتسهيل الخدمات الإدارية وتتبع شكايات المستثمرين.
هذه المقاربة تحمل دلالة أعمق.
فالمغربي المقيم بالخارج لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره فرداً يعود إلى وطنه خلال فصل الصيف، بل أصبح أيضاً مستثمراً محتملاً تتنافس الجهات على استقطاب مشروعه وخبرته وشبكة علاقاته الدولية.
مغرب 2030 يحتاج إلى أكثر من رؤوس الأموال
تأتي هذه الدينامية في لحظة تتسارع فيها التحولات الاقتصادية التي تعرفها المملكة.
فالمشاريع المرتبطة بأفق 2030، من البنيات التحتية والنقل والسياحة إلى الصناعة والرقمنة والخدمات، تفتح أمام الاقتصاد المغربي دورة استثمارية جديدة.
وهنا تبرز قيمة مغاربة العالم بصورة تتجاوز الحسابات المالية.
فمدير شركة مغربي في الخليج قد يفتح أسواقاً جديدة أمام شركة وطنية. ومهندس يعمل في ألمانيا قد ينقل معرفة صناعية متقدمة. وطبيب مغربي في فرنسا قد يؤسس شراكة في قطاع الصحة. ورائد أعمال في الولايات المتحدة قد يجلب معه تكنولوجيا وشبكة مستثمرين.
ولهذا أكد المدير العام للمركز الجهوي للاستثمار بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة على أهمية ما تحمله الجالية من خبرة علمية ومهنية، ومن قدرة على نقل التكنولوجيا والمعرفة وربط الاقتصاد الوطني بالأسواق الدولية.
منطق جديد لعلاقة المغرب بجاليته
لم تفقد التحويلات المالية أهميتها، ولن تفقدها في المستقبل المنظور.
لكن التحويل المالي ينتهي غالباً عند الاستهلاك أو الادخار.
أما الاستثمار، فيبدأ منه شيء جديد.
شركة. مصنع. منصة رقمية. فندق. مشروع زراعي. وظيفة. معرفة تنتقل من الخارج إلى الداخل.
ولهذا تكتسب محاولة الانتقال من ثقافة التحويل إلى ثقافة الاستثمار بعداً استراتيجياً يتجاوز حدثاً موسمياً تنظمه المؤسسات خلال شهر غشت.
وتشكل الميثاق الجديد للاستثمار إحدى الأدوات التي تراهن عليها الدولة لتحسين بيئة الأعمال، وتحفيز الاستثمار المنتج، ودعم خلق فرص العمل وتحقيق قدر أكبر من التوازن بين جهات المملكة.
الامتحان الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الأسبوع
يسدل الستار هذا الخميس 13 غشت على أسبوع الاستثمار لفائدة مغاربة العالم.
لكن نجاحه لن يقاس بعدد اللقاءات أو الحاضرين أو العروض التي قدمت خلال أربعة أيام.
الاختبار الحقيقي سيبدأ بعد ذلك.
كم مشروعاً سيصل إلى مرحلة التنفيذ؟
كم مستثمراً من الجالية سيجد مخاطباً يرافقه حتى النهاية؟
وكم من الكفاءات المغربية التي بنت نجاحها في باريس أو لندن أو مونتريال أو دبي ستختار أن تجعل من المغرب أيضاً جزءاً من مشروعها المهني والاستثماري؟
لقد أثبت مغاربة العالم منذ سنوات قدرتهم على دعم وطنهم بتحويلاتهم. التحدي اليوم هو أن يجدوا في المغرب ما يكفي من الثقة والفرص لكي يستثمروا فيه مستقبلهم أيضاً.
💬 Commentaires (0)
Aucun commentaire. Soyez le premier !
✏️ Laisser un commentaire