لم تكن عودة عبد الإله هلالوش إلى المغرب جزءا من برنامج رسمي. فقد وُلد وترعرع في هولندا داخل أسرة مغربية، وكان في زيارة عائلية إلى طنجة عندما أُغلقت الحدود بسبب جائحة كورونا. وجد نفسه مضطرا إلى البقاء، فتحولت رغبة قديمة في تأسيس مشروع بالمغرب إلى شركة تحمل اسم Tingis Web.
انتقلت الشركة من أربعة موظفين سنة 2020 إلى 26 موظفا في 2025. ووفق الأرقام التي قدمها مؤسسها لصحيفة فايننشال تايمز، ارتفعت المداخيل من 170 ألف دولار إلى 2.8 مليون دولار بين 2020 و2024. وأصبح تطوير البرمجيات يمثل الجزء الأكبر من نشاطها، من منصات التجارة الإلكترونية وتطبيقات الاتصالات إلى نظام لإدارة المستودعات مدمج بالذكاء الاصطناعي، فضلا عن بوابة الإحصاء العام المغربي لسنة 2024.
هذه القصة تختصر تحولا أوسع في علاقة المغرب بكفاءاته في الخارج. فمساهمة مغاربة العالم لم تعد محصورة في التحويلات المالية أو العقار أو المشاريع العائلية، بل باتت تشمل تداول الخبرة: معرفة تُكتسب في الخارج، وشبكات دولية، ثم فرق عمل وإنتاج وبحث تتمركز داخل المغرب.
وتشير الوزارة المكلفة بمغاربة العالم إلى وجود أكثر من 400 ألف مغربي مقيم بالخارج حاصلين على مستوى البكالوريا زائد خمس سنوات أو أكثر. ولا تتحول هذه الكفاءات تلقائيا إلى استثمار منتج، لكنها تمثل رصيدا استراتيجيا في وقت يراهن فيه المغرب على الذكاء الاصطناعي، وتصدير الخدمات الرقمية، وإزالة الكربون، وتطوير الصناعة الدفاعية.
ثلاث طرق للعودة
يحتاج تعبير «شركة من أصول MRE» إلى تدقيق. فهناك شركات مغربية تأسست بعد عودة صاحبها، وشركات تعمل بين ضفتي المتوسط، وشركات أجنبية شارك مغاربة من المهجر في تأسيسها ثم اختارت توطين البحث أو الإنتاج داخل المملكة.
| الشركة | المجال | الحضور في المغرب | مستوى النضج الموثق |
|---|---|---|---|
| Tingis Web | البرمجيات وأنظمة مدمجة بالذكاء الاصطناعي | فريق تشغيلي في طنجة | نشاط قائم وموجه أيضا إلى التصدير |
| SOWIT | الذكاء الاصطناعي وصور الأقمار الاصطناعية والزراعة | قاعدة في الدار البيضاء وأنشطة بالمغرب | انتشار تجاري في المغرب وإفريقيا |
| DeepEcho | الذكاء الاصطناعي الطبي وفحوصات الحمل | فريق وعنوان في الرباط وشراكات في المنظومة الصحية | بحث وتطوير وتجارب؛ المصادقة التنظيمية ما تزال حاسمة |
| Nomad Labs | الذكاء الاصطناعي السيادي | شركة مغربية في الدار البيضاء | مرحلة ناشئة |
| Harmattan AI | الأنظمة الدفاعية الذاتية | إعلان عن قدرات إنتاج ومركز بحث وتطوير | توطين استراتيجي معلن سنة 2026؛ تفاصيل أساسية غير منشورة |
| Gi2 / Gi3 | الهندسة الطاقية والصناعة الشمسية | الرباط والمنطقة الصناعية عين الجوهرة | نشاط قائم وتوسع صناعي |
| Sand to Green | التكنولوجيا الزراعية المناخية وتدبير المياه والتحلية الشمسية | نموذج نشأ في جنوب المغرب | توسع تدريجي |
ذكاء اصطناعي ينطلق من حاجات الميدان
تقدم SOWIT مثالا واضحا على التكنولوجيا التطبيقية. وُلد مؤسسها المشارك حمزة رخا شحام ونشأ في المغرب، ثم تابع دراسته في فرنسا وخاض تجربة في الولايات المتحدة. ومنذ 2018، تعمل الشركة على تحويل صور الأقمار الاصطناعية إلى توصيات تتعلق بالسقي والتسميد والحصاد والمخاطر الزراعية. ولا تخدم هذه المعطيات الفلاحين وحدهم، بل يمكن أن تستفيد منها البنوك وشركات التأمين والمؤسسات العمومية.
لا تكمن القيمة في الخوارزمية وحدها، بل في ربطها بندرة المياه وربحية الاستغلاليات والولوج إلى التمويل. وبوجودها في الدار البيضاء ودكار وباريس، تجسد SOWIT نموذجا يربط التشغيل المغربي بالأسواق الإفريقية والأوروبية.
وتسلك DeepEcho مسارا مختلفا. فالشركة، التي تعمل من الرباط ومسجلة قانونيا في الولايات المتحدة، تطور أدوات مساعدة بالذكاء الاصطناعي لفحوصات الحمل بالموجات فوق الصوتية. درس مؤسسها المشارك يوسف بوياخف في فرنسا وعمل في لندن قبل انتقاله إلى ريادة الأعمال التكنولوجية. وتحظى الشركة بدعم فاعلين دوليين ومغاربة، من بينهم جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية. غير أن موقعها الرسمي يوضح أن النتائج العلمية والتسويقية ما تزال خاضعة للمراجعة العلمية والتنظيمية. وهذا احتراز ضروري، لأن الوعد التكنولوجي في قطاع الصحة لا يعادل إثباتا سريريا.
أما Nomad Labs فتمثل رهانا أحدث على السيادة في مجال الذكاء الاصطناعي. فقد عاد مؤسسها طه هلال إلى المغرب بعد ثلاثة عشر عاما في فرنسا، عقب تكوين في المدرسة متعددة التقنيات ودكتوراه في التعلم العميق من جامعة باريس-ساكلاي. وتعلن الشركة المسجلة في الدار البيضاء رغبتها في بناء أنظمة تعتمد على بيانات مغربية وتخدم اللغات الوطنية. وسيكون اختبارها الحقيقي هو تحويل هذا الطموح إلى منتجات وزبناء ووظائف قابلة للقياس.
تتقاطع هذه التجارب مع خارطة طريق «المغرب من أجل الذكاء الاصطناعي 2030»، التي تستهدف، بحسب وزارة الانتقال الرقمي، قيمة مضافة إضافية قدرها 100 مليار درهم، و50 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، و200 ألف كفاءة مكوّنة أو حاصلة على شهادة بحلول 2030. ويمكن لكفاءات المهجر تسريع هذا المسار، لكنها لا تعوض رأس المال المخاطر، ولا تسهيل الولوج إلى البيانات والصفقات العمومية، ولا التعاون الدائم بين الجامعات والمقاولات.
الدفاع: حين تصبح العودة قضية سيادة
يُعد ملف Harmattan AI الأكثر حساسية في هذا التحقيق. فالشركة الفرنسية المتخصصة في الأنظمة الدفاعية الذاتية يقودها ويشارك في تأسيسها معاذ المغاري، وهو رائد أعمال فرنسي مغربي وُلد في الرباط. وفي 17 يونيو 2026، أعلنت الشركة شراكة مع القوات المسلحة الملكية تقوم على ثلاثة محاور: إحداث قدرات إنتاج للأنظمة الدفاعية الذاتية في المغرب، وإنشاء مركز للبحث والتطوير في الذكاء الاصطناعي الدفاعي، وبناء شراكات مع مؤسسات التعليم العالي والبحث المغربية.
يحمل الإعلان دلالة استراتيجية: الانتقال من شراء المعدات إلى محاولة توطين جزء من الهندسة والبحث والصيانة وسلسلة الموردين.
لكن المعطيات تفرض الحذر. فلم تُنشر قيمة الاتفاق، ولا حجم الإنتاج، ولا الموقع الصناعي الدقيق، ولا الجدول الزمني المفصل، ولا لائحة كاملة للأنظمة المعنية. لذلك، ينبغي وصف المشروع باعتباره التزاما بالتوطين الاستراتيجي، لا إنجازا صناعيا مكتملا. فالسرية المعتادة في قطاع الدفاع لا تبرر ملء الفراغ بالتخمينات.
من خبرة برلين إلى صناعة شمسية مغربية
يمثل بدر إيكن مسارا أقدم للعودة. فقد درس تقنيات الإنتاج الصناعي والأنظمة الشمسية في الجامعة التقنية ببرلين، وأنجز أبحاثا للدكتوراه واشتغل مع مؤسسة فراونهوفر، قبل أن يعود إلى المغرب سنة 2010. ساهم في مشروع نور ورزازات داخل «مازن»، ثم أدار معهد البحث في الطاقة الشمسية والطاقات الجديدة لمدة أحد عشر عاما، وشارك في إنشاء منصات بحثية من بينها Green Energy Park.
في 2022، انتقل إلى ريادة الأعمال عبر Gi2، المتخصصة في الاستشارة والهندسة المرتبطة بالانتقال الطاقي، وGi3، الموجهة إلى الصناعة الخضراء. وفي المنطقة الصناعية عين الجوهرة قرب تيفلت، أطلقت Gi3 مشروعا لتصنيع سخانات مياه شمسية مغربية. وتحدث المخطط الأولي عن استثمار قدره 60 مليون درهم وطاقة إنتاجية تبلغ 40 ألف وحدة سنويا، مع توسع لاحق. وهي أهداف معلنة للمشروع، وليست رقما مدققا للإنتاج السنوي الفعلي.
تكمن أهمية المشروع في تعويض جزء من الواردات، وربط الجامعة بالمصنع، وتطوير موردين محليين. هنا تتحول الخبرة الدولية إلى قدرة إنتاجية داخل الوطن.
وتعمل Sand to Green عند تقاطع التكنولوجيا المناخية والزراعة والطاقة المتجددة. فقد نشأت انطلاقا من ضيعة عائلية في جنوب المغرب تولت المهندسة الزراعية وصال بنموسى إدارتها سنة 2018. ويجمع نموذجها بين الزراعة الحراجية، والتقييم الرقمي للأراضي، وتدبير المياه، والتحلية بالطاقة الشمسية. وهي ليست شركة لإنتاج الكهرباء، بل مثال على استخدام الطاقة المتجددة لجعل الزراعة واستصلاح التربة ممكنين في المناطق الجافة.
ما الذي تضيفه كفاءات المهجر فعليا؟
تظهر المساهمة في خمسة مستويات: وظائف مؤهلة للشباب؛ نقل معايير الإدارة والجودة والامتثال؛ تسهيل الوصول إلى المستثمرين والزبناء في الخارج؛ دعم السيادة التكنولوجية؛ ثم خلق نموذج يُشجع رواد أعمال آخرين على الاستثمار في المغرب.
يتوفر المغرب على آليات مثل MDM Invest وMDM Tamwil ومبادرة «الجهة 13» التابعة للاتحاد العام لمقاولات المغرب. غير أن المرحلة المقبلة تتطلب تحويل النداء العاطفي إلى مسار استثماري واضح: شباك عملي موحد، آجال إدارية معلومة، ولوج إلى العقار والتجارب الصناعية، صفقات عمومية مفتوحة أمام الشركات الناشئة، تمويل مشترك للبحث والتطوير، وإدارات تتوفر على خبرة تقنية لتقييم المشاريع.
كما يحتاج المغرب إلى نشر النتائج: كم مشروعا يقوده مغاربة العالم استمر بعد ثلاث أو خمس سنوات؟ كم وظيفة مؤهلة وصادرات وبراءة اختراع واستثمارا في البحث أنتج؟ من دون مؤشرات تبقى تعبئة الجالية خطابا؛ ومعها تصبح سياسة اقتصادية قابلة للتقييم والمساءلة.
لا يتعلق الأمر بمطالبة كل مغربي في الخارج بالعودة. المطلوب هو جعل حركة الكفاءات منتجة: فريق يعمل من المغرب، مختبر يتم تمويله، مهندسون يتلقون التكوين، سوق خارجية تُفتح أو تكنولوجيا تُنقل. من برمجيات طنجة إلى الصناعة الشمسية في عين الجوهرة، ومن الزراعة المدعومة بالأقمار الاصطناعية إلى الذكاء الاصطناعي الدفاعي، وُضعت اللبنات الأولى. والتحدي الآن هو تحويل النجاحات المتفرقة إلى منظومة دائمة تربط مغاربة العالم بتنمية المملكة.
💬 التعليقات (0)
لا توجد تعليقات. كن أول من يعلق!
✏️ اكتب تعليقك