يخلد المغرب هذا الجمعة الذكرى السابعة والأربعين لاسترجاع إقليم وادي الذهب، وهي المناسبة التي تحيل إلى 14 غشت 1979، حين توجه ممثلو قبائل الإقليم وأعيانه وعلماؤه إلى الرباط لتجديد البيعة للملك الراحل الحسن الثاني. ويشكل هذا الحدث، في الرواية الوطنية المغربية، إحدى المحطات الأساسية في مسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة.
غير أن مرور سبعة وأربعين عاماً يجعل السؤال اليوم يتجاوز الذاكرة وحدها.
فماذا أصبحت الداخلة؟ وإلى أين يريد المغرب أن يأخذها؟
14 غشت.. محطة راسخة في الذاكرة الوطنية
جاءت أحداث سنة 1979 ضمن مسار تاريخي امتد من استرجاع طرفاية سنة 1958 وسيدي إفني سنة 1969، إلى المسيرة الخضراء سنة 1975.
وفي 14 غشت، سلم ممثلو قبائل وادي الذهب نص البيعة إلى الملك الحسن الثاني في القصر الملكي بالرباط، وهو الحدث الذي يحتفل به المغرب منذ ذلك الحين باعتباره عودة الإقليم إلى الوطن.
وعلى المستوى الدولي، ما تزال قضية الصحراء الغربية حاضرة ضمن المسار السياسي الذي تشرف عليه الأمم المتحدة، فيما يمتد التفويض الحالي لبعثة «مينورسو» إلى غاية 31 أكتوبر 2026، ويظل الإقليم مدرجاً على قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
أما بالنسبة إلى المغرب، فيظل 14 غشت مرتبطاً بصورة وثيقة بمفهوم الوحدة الترابية وبالذاكرة السياسية للدولة.
حين تحولت المسافة إلى رهان
لسنوات طويلة، كانت الداخلة تُرى من شمال المغرب باعتبارها مدينة بعيدة.
مدينة بين المحيط والصحراء، تفصلها مسافات طويلة عن المراكز الاقتصادية الكبرى للمملكة.
اليوم، يحاول المغرب قلب المعادلة.
فالموقع الذي كان يبدو هامشياً أصبح في صلب تصور اقتصادي جديد يريد من الواجهة الأطلسية الجنوبية أن تتحول إلى فضاء للتبادل مع أفريقيا، وخصوصاً دول الساحل وغرب القارة.
وفي قلب هذا الرهان يوجد مشروع يختصر جانباً كبيراً من الطموح: ميناء الداخلة الأطلسي.
ميناء يريد أن يمنح الداخلة حجماً آخر
تبلغ قيمة الأشغال الجارية لإنجاز ميناء الداخلة الأطلسي 12.65 مليار درهم، وفق أحدث المعطيات المنشورة من طرف وزارة التجهيز والماء.
لكن المشروع لا يُنظر إليه باعتباره منشأة بحرية معزولة.
فالتصور الرسمي يربطه بمنظومة لوجستية وصناعية وبأنشطة الصيد والتجارة والخدمات، مع هدف أوسع يتمثل في تعزيز موقع الواجهة الأطلسية للمغرب في علاقاتها الاقتصادية مع أفريقيا.
هنا تحديداً تتغير صورة الداخلة.
فالمطلوب منها ألا تكون فقط مدينة يصل إليها الطريق من الشمال، بل أن تصبح مدينة تنطلق منها طرق اقتصادية جديدة نحو الجنوب.
الطريق والماء والطاقة.. البنية التي لا تظهر في الصور
لا يمكن لميناء كبير أن يصنع تحولاً اقتصادياً بمفرده.
ولهذا يمثل محور تيزنيت–الداخلة، الممتد على نحو 1,055 كيلومتراً، جزءاً أساسياً من مسار تحسين الربط بين جنوب المملكة وباقي شبكاتها الاقتصادية.
أما التحدي الأكثر حساسية، فهو الماء.
فالداخلة توجد ضمن المشاريع التي يعمل المغرب من خلالها على توسيع قدرته على تحلية مياه البحر، في وقت تتحول فيه ندرة المياه إلى أحد أهم رهانات التنمية الوطنية.
وفي المنطقة أيضاً مشروع لإنشاء محيط زراعي على مساحة 5,200 هكتار يعتمد على مياه البحر المحلاة ويستفيد من الطاقة الريحية.
وهذه المعادلة — ماء، طاقة متجددة، زراعة وبنية لوجستية — قد تكون أهم من حجم أي مشروع منفرد.
لأن السؤال الحقيقي ليس كم عدد المنشآت التي ستنجز في الداخلة، بل أي نموذج اقتصادي ستصنعه هذه المنشآت مجتمعة؟
بوابة نحو أفريقيا أم مدينة مشاريع كبرى؟
يقدم المغرب الداخلة منذ سنوات باعتبارها مرشحة لتصبح حلقة وصل بين المحيط الأطلسي والمغرب العربي والساحل.
لكن تحويل هذا الطموح إلى واقع سيتوقف على ما يحدث حول البنيات الكبرى.
هل ستظهر شركات جديدة؟
هل ستنشأ وظائف ذات قيمة مضافة؟
هل ستجذب المنطقة مهندسين وخبراء ورؤوس أموال؟
وهل ستتحول البنية التحتية إلى اقتصاد محلي قادر على النمو من تلقاء نفسه؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد في النهاية نجاح المشروع التنموي، أكثر من صور الأرصفة والطرق والمنشآت.
نافذة جديدة أمام مغاربة العالم
وهنا يمكن أن تجد الجالية المغربية بالخارج مكانها في القصة، من دون أن تكون هي موضوعها الرئيسي.
فالكثير من مغاربة العالم يشتغلون اليوم في قطاعات ترتبط مباشرة بالمجالات التي تراهن عليها الداخلة: اللوجستيك البحري، الطاقات المتجددة، تقنيات المياه، الهندسة، السياحة المستدامة، التمويل والبنيات التحتية.
مهندس مغربي في روتردام، أو خبير في تحلية المياه يعمل في الخليج، أو مقاول سياحي في فرنسا، قد يجد في الداخلة مستقبلاً أكثر من وجهة للعطلة.
وقد تحمل الجالية معها شيئاً لا يقل أهمية عن رأس المال: خبرات دولية وشبكات مهنية ومعرفة بأسواق خارج المغرب.
لكن نجاح هذه العلاقة لن يُبنى على العاطفة وحدها.
فالاستثمار لا يتحرك فقط بدافع الانتماء. يحتاج إلى وضوح، وفرص قابلة للتمويل، وإدارة فعالة، ومردودية اقتصادية يمكن قياسها.
حين يصبح الاستثمار في الداخلة خياراً اقتصادياً جيداً قبل أن يكون واجباً رمزياً، آنذاك يمكن لمغاربة العالم أن يصبحوا جزءاً حقيقياً من تحولها.
من الذاكرة إلى المستقبل
يحمل 14 غشت للمغرب ذاكرة عمرها سبعة وأربعون عاماً.
لكن الداخلة اليوم تمنح هذه الذاكرة امتداداً مختلفاً.
ميناء جديد، ومحاور طرقية، وتحلية للمياه، وطاقة متجددة، وطموح متزايد للانفتاح على أفريقيا.
هذه المشاريع لا تضمن المستقبل في حد ذاتها. لكنها تكشف بوضوح عن الاتجاه الذي يريد المغرب أن تسلكه المنطقة.
بعد سبعة وأربعين عاماً من 14 غشت 1979، لم تعد قصة الداخلة تكتب فقط بما حدث فيها أو حولها في الماضي. جزء متزايد منها يكتب الآن بما يريد المغرب أن يصنعه هناك في المستقبل.
💬 التعليقات (0)
لا توجد تعليقات. كن أول من يعلق!
✏️ اكتب تعليقك