بانوراما مميز

التبوريدة: رحلة في ذاكرة المغرب تصنعها الخيل وأيدي الحرفيين

ينطلق الفرسان في صف واحد، وتتحرك الأثواب مع إيقاع الخيل، ثم تأتي الطلقة التي ينتظرها الجمهور. وراء هذه اللحظات عالم من التربية والتدريب والصناعة التقليدية، يجعل التبوريدة مدخلًا إلى تاريخ المملكة وذاكرتها الحية.

• • 3 دقيقة للقراءة • 👁 70 مشاهدة • 💬 0 تعليق
AR
التبوريدة: رحلة في ذاكرة المغرب تصنعها الخيل وأيدي الحرفيين

تجذب الطلقة الأخيرة الأنظار، لكن جمال التبوريدة يبدأ قبلها. في استقامة الصف، وانتباه الفارس إلى جواده، وضبط السرج، وطريقة حمل المكحلة، تظهر تفاصيل تحتاج إلى وقت كي تُقرأ.

هذا الفن، المعروف دوليًا باسم «الفانتازيا»، أُدرج سنة 2021 في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى اليونسكو. ويشمل معناه ما يحدث في الميدان وما يُنقل من معارف ومهارات بين الأجيال.

من الذاكرة العسكرية إلى فضاء الاحتفال

يرتبط اسم التبوريدة بالبارود، وتحتفظ حركاتها بذاكرة الفروسية والتنسيق الجماعي. وقد وجدت هذه الممارسة مكانها في المواسم والاحتفالات الوطنية والفلاحية والعائلية، حيث تلتقي المهارة باعتزاز الجماعة بتراثها.

أما «الحركة» أو «الحَرْكة»، فلها استعمالات تاريخية تحيل إلى التنقل والحملة العسكرية، وقد تتصل بمعجم الفروسية بحسب السياق. لذلك لا ينبغي اعتبارها مرادفًا مطابقًا للتبوريدة في جميع الاستعمالات.

تقود هذه الذاكرة إلى تاريخ طويل من التحول والتوارث، وليس إلى مشهد بقي على حاله منذ زمن واحد.

السربة: مهارة الفرد داخل انسجام الجماعة

L'Unesco inscrit « la tbourida » à son patrimoine immatériel de l'humanité  – Labass.net

تُسمى الفرقة «السربة»، ويقودها «المقدم». وتبدأ الاستعراضات بالتحية، ثم تأتي مرحلة العدو التي تنتهي بالطلقة المتزامنة.

يستطيع الزائر أن يفهم العرض بصورة أعمق حين يراقب الانطلاق وتماسك الصف وحركة الفرسان، بدل انتظار صوت البارود وحده. كما أن اختلاف التقاليد والطرائق بين المناطق يمنح كل مشاهدة تفاصيل تستحق الانتباه.

الخيل في قلب المشهد

Tbourida : histoire, chevaux et tradition marocaine | ABC du Cheval

تحتل الخيول البربرية والعربية البربرية موقعًا أساسيًا في التبوريدة. وما يظهر من تفاهم مع الفارس يحتاج إلى تدريب ورعاية ومعرفة بطبع الجواد.

خلف الميدان يعمل مربون وساسة وحداؤون وأطباء بيطريون. وجودهم أقل ظهورًا للجمهور، لكنه جزء من استمرار هذا الفن. والزينة، مهما بلغت دقتها، لا تعوض العناية بالخيل.

السرج: صناعة تجمع عدة أيادٍ

SELLE DE FANTASIA, Maroc, cheval | eBay

يحضر السرج التقليدي بوصفه قطعة للاستعمال وعملًا فنيًا في الوقت نفسه. يجتمع فيه الخشب والجلد والنسيج والتطريز، وتمنحه جودة التركيب والتشطيب توازنه.

ومن المفيد النظر إليه عن قرب: كيف خيط الجلد؟ وكيف وُزعت الزخارف؟ وكيف التقت الأجزاء المختلفة في قطعة واحدة؟

وراء اسم صانع السروج توجد مهارات متعاونة. فالحرفي يعتمد على مواد وأعمال تسبق التجميع النهائي، ثم يمنحها انسجامًا يخدم الجواد والفارس.

زيارة ورشة متخصصة، حين تكون متاحة، يمكن أن تصبح امتدادًا جميلًا لمشاهدة التبوريدة. هناك ينتقل الزائر من الإعجاب بالمظهر إلى فهم العمل الذي صنعه.

المكحلة ولباس الفارس

ترسم المكحلة الطويلة جزءًا من هيئة الفارس. وفي نماذجها المزخرفة يلتقي الخشب بالمعدن وأعمال النقش. وهي أيضًا أداة مرتبطة بمهارة الاستعمال وضوابط السلامة داخل الممارسة.

ويكمل اللباس هذه الصورة: الجلباب، والسلهام، والعمامة، والسروال التقليدي، والأحذية الجلدية، وفق العادات والاختيارات المحلية.

لا تكمن قيمة الثوب في الزخرفة وحدها. فطريقة انسداله وعلاقته بوضعية الفارس تمنحان المشهد توازنه. ويسهم الخياط والنساج والطرّاز وصانع الجلد في بناء هذا الحضور الجماعي.

رحلة تستحق أن تتجاوز لحظة العرض

تتيح المنافسات الجهوية وكأس الحسن الثاني بالرباط ومعرض الفرس بالجديدة منافذ مختلفة للتعرف إلى التبوريدة، مع ضرورة مراجعة البرامج الرسمية قبل ترتيب الزيارة.

ويمكن أن يجمع مسار سياحي غني بين مشاهدة السربة واكتشاف السروج والأقمشة والمعدات التقليدية. وبالنسبة إلى أسر مغاربة العالم، تصبح الزيارة فرصة لتعريف الأبناء بكلمات يرون معناها أمامهم: السربة، والمقدم، والسرج، والمكحلة.

بعد انقشاع الدخان، يبقى أثر أهدأ: غرزة في الجلد، وزخرفة على المعدن، وثوب يتحرك، وفارس يعتني بجواده. في هذه التفاصيل تمنح التبوريدة زائر المغرب شيئًا يتجاوز الفرجة؛ تمنحه فرصة للتعرف إلى الأيدي التي تحفظ ذاكرته.

هل أعجبك هذا المقال؟
حجم الخط 100%

↗ مقالات ذات صلة

💬 التعليقات (0)

💬

لا توجد تعليقات. كن أول من يعلق!

✏️ اكتب تعليقك

لن يُنشر
0/1000