حين تنتقل الكفاءات إلى بلد جديد، لا تنتقل معها دائماً المكانة المهنية التي بنتها. قد تتغير اللغة، وتغيب شبكة العلاقات، ويصبح إثبات الخبرة مهمة تبدأ من جديد. عاشت هاجر الحدّاوي جانباً من هذه التجربة عند انتقالها من مونتريال إلى زيورخ.
في مقابلة نشرتها «سويسكوم» سنة 2020، استحضرت وصولها إلى سويسرا قبل ذلك بعشر سنوات. لم تكن تتقن الألمانية، وهو ما صعّب البحث عن فرصة مناسبة. قبلت التراجع مهنياً لتبدأ من جديد في مجال المبيعات والخدمات، قبل أن تصل إلى مسؤولية المنطقة الغربية لدى الشركة.
تمنح هذه البداية معنى مختلفاً للمناصب التي شغلتها لاحقاً. فالمسار الدولي يتضمن أيضاً مراحل انتقال وانتظار وتعلم. وبالنسبة إلى كثير من مغاربة العالم، تبدو هذه التفاصيل أقرب إلى حياتهم من قائمة الألقاب المهنية. في تجربة هاجر الحدّاوي، لم تصبح البداية الصعبة سقفاً للمستقبل. تحولت إلى مرحلة داخل مسار استمر في التوسع.
جذور مغربية وانفتاح على ثقافات متعددة
هاجر الحدّاوي من أصول مغربية، وابنة دبلوماسي وأم اشتغلت بالتعليم. وتؤكد سيرتها المنشورة لدى «L’effet A» نشأتها في محيط متعدد الثقافات واستقرارها في سويسرا. يساعد هذا المعطى على فهم اهتمامها بالعلاقات داخل المؤسسات. فالعمل مع أشخاص ينتمون إلى تجارب مختلفة يتطلب القدرة على الإنصات وتوضيح التوقعات وبناء الثقة.
وهذه مهارات يعرف أهميتها من عاش الانتقال بين المجتمعات. ما يبدأ ضرورة للتأقلم قد يتحول لاحقاً إلى قدرة مهنية على تقريب وجهات النظر ومساعدة الفرق على العمل معاً. من هذه الزاوية، تحمل تجربة الهجرة قيمة تتجاوز التنقل الجغرافي. إنها معرفة عملية بكيفية التعامل مع التغيير.
خبرة تتصل بالسوق والناس
يشمل مسارها المهني العمل لدى «Bell Canada»، ثم «Swisscom»، قبل الانتقال إلى «NTT» في سويسرا سنة 2022. وتحدد التغطية المهنية السويسرية مسؤوليتها آنذاك في إدارة المبيعات وعضوية الإدارة السويسرية للشركة. تكشف هذه التجربة التجارية جانباً مهماً من شخصيتها المهنية. فالتحول الرقمي يحتاج إلى من يفهم التكنولوجيا، وإلى من يستطيع أيضاً ربطها بحاجات الزبائن وطريقة اشتغال الفرق.
قد تقتني مؤسسة نظاماً متقدماً، لكن قيمته تبقى محدودة إذا لم يجد المستخدمون فيه حلاً واضحاً لمشكلاتهم. هنا يظهر دور الإدارة: تحديد الأولويات، وشرح الفائدة، وإتاحة الوقت والمهارات اللازمة لاعتماد طرق جديدة.
قراءة مسار هاجر الحدّاوي عبر هذه الوظيفة تجعل انتقالها بين المؤسسات أكثر وضوحاً. إنها خبرة في الوصل بين الفكرة وتطبيقها، وبين القرار ومن يتولى تنفيذه.
حين تصبح المسؤولية فرصة لتمكين النساء
تتحدث هاجر الحدّاوي في مداخلاتها عن تطوير المواهب وإتاحة فرص التقدم للنساء. ويعرض حوارها مع «Swiss Leaders» اهتماماً بالبيئة التي تسمح للكفاءات بالنمو والوصول إلى المسؤولية.
ولهذا الاهتمام بعد شخصي. ففي مقابلة مع «L’effet A»، روت أنها سُئلت خلال مقابلة توظيف لمنصب مهم عن الطريقة التي ستوقع بها رسائلها إلى الزبائن، بعدما اعتُبر اسمها مشكلة محتملة. وتحدثت في الحوار نفسه عن طموح تريد له أن يساعد الآخرين على التقدم معها.
بالنسبة إلى شابة مغربية تبني مسارها في الخارج، يفتح هذا الكلام موضوعاً ملموساً: كيف تحافظ على ثقتها وقدرتها على التطلع إلى مواقع أعلى، حين تواجه أحكاماً لا تتعلق بكفاءتها؟
تجربة هاجر الحدّاوي تتيح مناقشة هذا السؤال انطلاقاً من وقائع. فالإنصاف داخل المؤسسة يتجسد في التوظيف والتكوين ومنح الفرص، وفي استعداد المسؤولين لمراجعة تصوراتهم عن الأشخاص الذين يستطيعون القيادة.
من المؤسسة إلى التعاون الدولي
في يونيو 2025، قدمت منظمة العمل الدولية هاجر الحدّاوي بصفتها المديرة العامة لـمنظمة التعاون الرقمي، بمناسبة اتفاق تعاون يتناول المهارات الرقمية والإدماج والتحولات التي يشهدها عالم الشغل. يفتح هذا المستوى من العمل أسئلة أوسع من حاجات مؤسسة واحدة. فالتكنولوجيا تؤثر في فرص العمل، وفي المهارات المطلوبة، وفي قدرة فئات مختلفة على المشاركة في الاقتصاد.
وبالنسبة إلى البلدان الإفريقية، يرتبط هذا النقاش بإعداد الكفاءات وبناء خدمات تستجيب للحاجات المحلية. امتلاك الأدوات يحتاج إلى معرفة تساعد على استعمالها، وإلى مؤسسات تستطيع تحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية.
أما علاقتها المهنية بالمغرب، فتظهر ضمن لقاء موثق نشرته وزارة الانتقال الرقمي بمناسبة «جيتكس إفريقيا» في 15 أبريل 2025، حين كانت تُقدَّم بصفتها المديرة العامة لمنظمة التعاون الرقمي. ويثبت ذلك وجود تواصل مؤسساتي مع المملكة، من دون أن يسمح بإسناد نتائج برنامج محدد إليها.
ما موقعها المهني حالياً؟
يدرج موقع Swiss Leaders هاجر الحدّاوي ضمن أعضاء لجنته الوطنية. وتذكر سيرتها المنشورة بمناسبة Experia في أكتوبر 2026 أنها تقود التحول الرقمي العالمي لدى Stadler AG، وتقدم منصب المديرة العامة لمنظمة التعاون الرقمي باعتباره مسؤولية سابقة. وتُورد المعلومة المتعلقة بـ«Stadler» هنا وفق تعريف الجهة المنظمة، لعدم العثور على تأكيد مباشر من الشركة ضمن المصادر التي جرت مراجعتها.
تمنح هذه المسيرة صورة عن مساهمة يمكن لكفاءات مغاربة العالم أن تقدمها: خبرة في الإدارة، وقدرة على بناء العلاقات، ومعرفة بمؤسسات وأسواق متعددة. قد تصل هذه المساهمة إلى المغرب عبر شراكة أو تأطير مهني أو نقل تجربة. ولكل واحدة من هذه الصيغ أثرها حين تفتح فرصة أمام مقاولة أو شابة أو فريق عمل.
وذلك أحد أسباب الاهتمام بهاجر الحدّاوي: مسارها يتيح للآخرين أن يروا بداية جديدة حيث قد يرون تعثراً، وأن يعتبروا اكتساب مهارة أو تجاوز حاجز لغوي خطوة نحو مسؤولية أكبر. وحين تصبح التجربة مرجعاً لمن يأتي بعدها، تبدأ قيمة أخرى للنجاح في الظهور.
💬 التعليقات (0)
لا توجد تعليقات. كن أول من يعلق!
✏️ اكتب تعليقك