Analysis Featured

المغرب–أفريقيا: كيف يبني المملكة نفوذاً قارياً يتجاوز بكثير حدود الدبلوماسية

5 min read 👁 29 views 💬 0 comment(s)
AR EN
المغرب–أفريقيا: كيف يبني المملكة نفوذاً قارياً يتجاوز بكثير حدود الدبلوماسية

وإلى جانب هذه الشبكة، يبرز فاعل لا يحظى دائماً بما يكفي من الاهتمام: الجالية المغربية المقيمة في أفريقيا جنوب الصحراء، التي تشكل في كثير من الأحيان حلقة وصل بشرية بين الشركات والمؤسسات والمجتمعات المحلية. المشهد لا يعني وجود هيمنة مغربية موحدة على القارة. الأدق هو الحديث عن منظومة نفوذ تتوسع تدريجياً، تظهر بوضوح في غرب أفريقيا وتتحول أكثر فأكثر نحو المحيط الأطلسي ومنطقة الساحل.

عقيدة أفريقية أصبحت في قلب السياسة الخارجية

شكّلت عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي في يناير 2017 محطة مؤسساتية مهمة، لكنها لم تكن بداية الاستراتيجية الأفريقية للرباط بقدر ما كانت تتويجاً لمسار سابق. منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، كثف المغرب الزيارات الملكية والاتفاقيات الثنائية والمشاريع الاقتصادية في مختلف مناطق القارة. وفي مايو 2026، أشارت وزارة الشؤون الخارجية إلى وجود نحو 1800 اتفاق مع دول أفريقية، من بينها قرابة 1400 اتفاق أبرمت منذ 1999، إضافة إلى 53 زيارة ملكية لأكثر من 30 دولة أفريقية.

والمنطق الاستراتيجي بات واضحاً: المغرب لا يريد أن يبقى مجرد بوابة شمال غربية للقارة، بل يسعى إلى أن يصبح منصة تربط أفريقيا بأوروبا والمحيط الأطلسي والعالم العربي. ويتجلى ذلك في مسلسل الدول الأفريقية الأطلسية، وفي المبادرة الملكية الرامية إلى تسهيل ولوج دول الساحل غير المطلة على البحر إلى المحيط الأطلسي.

الشركات المغربية كامتداد اقتصادي للاستراتيجية

أحد أكثر المؤشرات وضوحاً على هذا التوجه هو انتشار الشركات المغربية. تحتل البنوك موقعاً مركزياً في هذه الشبكة. فـالتجاري وفا بنك، وبنك أفريقيا، ومجموعة البنك الشعبي المركزي تمتلك اليوم شبكات واسعة في غرب ووسط أفريقيا. ووفق معطيات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، كانت المجموعات البنكية المغربية تمثل نحو 30% من السوق البنكية في غرب أفريقيا، فيما كان المغرب من بين أبرز المستثمرين الأفارقة في المنطقة.

وفي قطاع الاتصالات، تنشط اتصالات المغرب عبر Moov Africa في عدة أسواق جنوب الصحراء، وأصبح النشاط الدولي للمجموعة مهماً إلى درجة أنه حقق في 2025 إيرادات تفوق تلك المسجلة في السوق المغربية. ويضاف إلى ذلك OCP Africa في الأسمدة والزراعة، وManagem في التعدين، وشركات الإسمنت المغربية، فضلاً عن الخطوط الملكية المغربية التي جعلت من الدار البيضاء مركزاً يربط عدداً كبيراً من العواصم الأفريقية بأوروبا وأمريكا الشمالية. وهكذا، لم تعد العلاقة بين المغرب وأفريقيا تمر فقط عبر الحكومات، بل أصبحت تمر أيضاً عبر وكالات بنكية، ومناجم، وشبكات هاتف، وطائرات، ومهندسين وأطر شركات.

تكوين نخب أفريقيا المستقبلية

من بين أكثر أدوات المغرب تأثيراً على المدى البعيد، هناك أداة أقل ظهوراً: التعليم والتكوين. في 2026، أعلنت الرباط أنها تستقبل قرابة 60 ألف طالب أفريقي، من بينهم أكثر من 20 ألفاً في إطار برامج التعاون. كما تم تخصيص نحو 5500 منحة لفائدة دول أفريقية خلال السنة الجامعية 2025-2026.

والأثر الاستراتيجي لهذا الاختيار قد يكون عميقاً. فالطالب السنغالي أو الإيفواري أو الغيني أو البنيني الذي يتخرج من جامعة في الرباط أو الدار البيضاء أو فاس أو مراكش قد يصبح غداً طبيباً أو مهندساً أو رجل أعمال أو مسؤولاً كبيراً في بلاده. المغرب لا يبني فقط شراكات بين المؤسسات، بل يبني علاقات بشرية طويلة المدى.

الدين والثقافة والقوة الناعمة

العلاقات الدينية تمثل ركناً آخر من أركان النفوذ المغربي. من خلال مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، طور المغرب شبكة دينية وعلمية تمتد إلى عشرات الدول الأفريقية، وتعمل على التكوين الديني وتعزيز خطاب الاعتدال وتقوية الروابط العلمية والثقافية.

وهذه الشبكة تستند أيضاً إلى تاريخ أقدم، من الطرق الصوفية، وخاصة التيجانية، إلى الطرق التجارية القديمة والعلاقات الروحية بين المغرب وغرب أفريقيا. أما كرة القدم، فقد أصبحت خلال السنوات الأخيرة أداة أخرى للقوة الناعمة. فالبنيات الرياضية المغربية، وتنظيم البطولات القارية، ونتائج المنتخبات الوطنية، كلها تمنح المغرب حضوراً شعبياً لا تستطيع الدبلوماسية التقليدية تحقيقه وحدها.

الأمن، التعاون العسكري والعمل الإنساني

يحاول المغرب كذلك تعزيز صورته كفاعل في الاستقرار الإقليمي. فمنذ 1960، شارك أكثر من 84 ألف عسكري مغربي في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، خاصة في القارة الأفريقية. كما يساهم المغرب في تكوين أطر عسكرية أفريقية وفي تطوير خبرة مرتبطة بحفظ السلام والتعاون الأمني. وبالتوازي، تنفذ الوكالة المغربية للتعاون الدولي مشاريع في مجالات الصحة، والماء، والزراعة، والكهرباء، والتعليم، والتكوين المهني. وهذا يعكس رؤية مغربية تعتبر أن الأمن والتنمية لا يمكن فصلهما عن بعضهما.

مغاربة أفريقيا... جالية ما زالت خارج دائرة الضوء

يبقى هناك فاعل لا يُروى حضوره بما يكفي: المغاربة المقيمون في أفريقيا جنوب الصحراء. من بينهم أطر في البنوك والاتصالات، ومهندسون، وتجار، ومستشارون، ومدرسون، ورجال أعمال، وموظفون في فروع المجموعات المغربية. في داكار وأبيدجان وليبرفيل وكوناكري ودوالا وكينشاسا، يساهم هؤلاء يومياً في الحضور الاقتصادي والاجتماعي المغربي. لا توجد حالياً إحصائية قارية حديثة وموحدة تسمح بتحديد عددهم بدقة.

لكن أهميتهم لا تُقاس فقط بالأعداد. فدراسة أكاديمية نُشرت في 2026 وشملت 18 دولة في أفريقيا جنوب الصحراء خلصت إلى أن شبكات المهاجرين المغاربة يمكن أن تسهل استثمارات الشركات المغربية من خلال تقليص فجوات المعلومات، وبناء الثقة، وتحسين معرفة الأسواق المحلية. بمعنى آخر، قد تكون الجالية المغربية هي البنية البشرية التي تقف خلف البنية الاقتصادية.

نفوذ يحتاج إلى ترسيخ وليس مكسباً نهائياً

الاستراتيجية الأفريقية للمغرب طموحة، لكنها ليست نجاحاً مضموناً في كل المجالات. فأفريقيا جنوب الصحراء ما تزال تمثل حصة محدودة من الصادرات المغربية. كما أن مشاريع كبرى مثل أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي نيجيريا–المغرب لم تُنجز بعد رغم التقدم المؤسساتي الكبير الذي تحقق. كما أن المنافسة شديدة، سواء من الصين أو تركيا أو الإمارات أو أوروبا أو الولايات المتحدة أو قوى أفريقية أخرى.

وقد تكون ميزة المغرب الحقيقية في قدرته على الجمع بين القرب الجغرافي والثقافة والتعليم والأعمال والدين والنقل والدبلوماسية والشبكات البشرية. وهذه التركيبة هي ما يمنح استراتيجيته طابعها الخاص. المغرب لم يعد يسعى فقط إلى أن يكون حاضراً في أفريقيا. إنه يسعى إلى أن يصبح منصة أفريقية.

بنوكه تمول، وشركات اتصالاته تربط، وجامعاته تكوّن، وشركاته تستثمر، وجيشه يشارك في حفظ السلام، ومغاربته المقيمون في القارة يبنون كل يوم علاقات اقتصادية واجتماعية جديدة. التحدي المقبل أمام المملكة سيكون تحويل هذا الحضور إلى شراكات مستدامة ومتوازنة ومفيدة للطرفين. أما بالنسبة إلى الجالية المغربية في أفريقيا، فهناك قصة أخرى بدأت تظهر تدريجياً: قصة جالية أقل عدداً من الجالية في أوروبا، لكنها قد تصبح من بين أكثر الجاليات المغربية أهمية من الناحية الاستراتيجية لمستقبل المملكة داخل القارة.

 

Did you find this article helpful?
Text size 100%

Related articles

💬 Comments (0)

💬

No comments yet. Be the first!

✏️ Leave a comment

Not published
0/1000