سجلات مميز

تحويلات مغاربة العالم: أوروبا تشدد القواعد… والمغرب يبحث عن حماية قناة حيوية

كل سنة، يتم تقديم تحويلات مغاربة العالم باعتبارها أحد الأعمدة الصامتة للاقتصاد الوطني. فهي تدعم الأسر، وتخفف آثار الأزمات الاجتماعية، وتنعش الاستهلاك، وتساهم في توازنات مالية مهمة. لكنها، قبل كل شيء، تذكّر بأن الجالية المغربية في الخارج ليست فقط امتداداً عاطفياً للوطن، بل قوة مالية واجتماعية حقيقية.

1 دقيقة للقراءة 👁 78 مشاهدة 💬 0 تعليق
AR FR EN
تحويلات مغاربة العالم: أوروبا تشدد القواعد… والمغرب يبحث عن حماية قناة حيوية
Publicité

غير أن هذه الآلية التي تبدو مستقرة تواجه اليوم تحدياً جديداً. فتعزيز المتطلبات التنظيمية داخل الاتحاد الأوروبي أصبح يفرض ضغطاً متزايداً على فروع البنوك المغربية العاملة في أوروبا. بمعنى آخر، القواعد الأوروبية صارت أكثر صرامة، وأكثر كلفة، وأكثر تعقيداً، وهو ما يفرض على المؤسسات البنكية المغربية التكيف حتى تواصل لعب دورها في تحويل أموال مغاربة العالم نحو المغرب.

هذا ما نبه إليه المدير العام لبنك المغرب، عبد الرحيم بوعزة، خلال لقاء نظم بالرباط بمناسبة اليوم الدولي للتحويلات المالية العائلية. والموضوع حساس، لأنه يمس قناة مالية وإنسانية تربط ملايين المغاربة المقيمين بالخارج بأسرهم داخل الوطن.

قواعد أوروبية تغير المعادلة

الاتحاد الأوروبي يشدد منذ سنوات منظومات المراقبة المالية، سواء في ما يتعلق بالامتثال، مكافحة غسل الأموال، تتبع التدفقات المالية، أو متطلبات الحكامة البنكية. من حيث المبدأ، تبدو هذه الأهداف مفهومة ومشروعة. لكن في الواقع العملي، قد تجعل نشاط بعض الفاعلين أكثر صعوبة، خصوصاً أولئك الذين يقدمون خدمات أساسية للجاليات.

فروع البنوك المغربية في أوروبا تجد نفسها اليوم بين منطقين. من جهة، عليها احترام قواعد أوروبية صارمة ومتغيرة. ومن جهة أخرى، مطالبة بالحفاظ على خدمات قريبة ومناسبة لمغاربة العالم، الذين اعتادوا التعامل مع مؤسسات تعرف حاجياتهم، طرق إرسالهم للأموال، وصلتهم العائلية والاقتصادية بالمغرب.

الخطر هنا ليس نظرياً. فإذا أصبحت هذه الأنشطة مكلفة أو معقدة أكثر من اللازم، فقد تتحول التحويلات نحو قنوات أخرى، ربما أغلى، أو أقل ملاءمة، أو أقل شفافية. وبالنسبة للأسر، قد يعني ذلك مصاريف إضافية، آجالاً أطول، وربما قدراً أكبر من عدم اليقين.

فرنسا كنموذج لتسوية ممكنة

في هذا السياق، يكتسي دعم السلطات الفرنسية لاستمرار أنشطة الوساطة التي تقوم بها فروع البنوك المغربية أهمية خاصة. فبفضل تكييف الإطار القانوني، تمكنت هذه الفروع من مواصلة نشاطها، وهو أمر بالغ الأهمية في بلد يحتضن واحدة من أكبر الجاليات المغربية في أوروبا.

هذه التجربة تبيّن أن التنظيم المالي ليس مسألة تقنية فقط. فالقانون يمكن أن يحمي، لكنه قد يبعد بعض الفئات عن الخدمات المالية. ويمكنه أن يؤمن التدفقات، لكنه قد يعقد وصول الجاليات إلى الخدمات البنكية. لذلك، فإن طريقة تطبيق القواعد، وتكييفها، والتفاوض حولها، تظل حاسمة.

بالنسبة للمغرب، لم يعد الملف مالياً فقط، بل أصبح أيضاً ملفاً دبلوماسياً. فالدفاع عن استمرار هذه الخدمات في أوروبا يعني الدفاع عن حق مغاربة العالم في قنوات تحويل آمنة، واضحة، ومناسبة لواقعهم.

منظومة مالية مغربية أكثر تنوعاً

المفارقة أن المغرب لم يبقَ جامداً. فقد عرف النظام المالي الوطني خلال السنوات الأخيرة تنوعاً واضحاً. فإلى جانب البنوك التقليدية، ظهرت مؤسسات الأداء، ومؤسسات التمويل الصغير، ومنصات التمويل التشاركي، وآليات عمومية لضمان القروض.

هذا التطور مهم، لأنه يعكس محاولة لتحديث الدوائر المالية، وتوسيع قاعدة المستفيدين، وتقريب التمويل من حاجيات الاقتصاد الحقيقي.

لكن التنوع لا يحل كل شيء. فالفوارق في الولوج إلى الخدمات المالية ما تزال قائمة، خصوصاً بين المدن والقرى، وبين الشباب والكبار، وبين الأسر البنكية والأسر التي ما تزال بعيدة عن النظام المالي الرسمي. المغرب يتقدم، نعم، لكنه يتقدم بسرعات مختلفة.

المفارقة الكبرى: أموال كثيرة… واستثمار إنتاجي محدود

يبقى السؤال الأساسي هو: إلى أين تذهب تحويلات مغاربة العالم؟
وفق المعطيات التي استحضرها عبد الرحيم بوعزة، فإن تحقيقاً للمندوبية السامية للتخطيط أشار إلى أن 87 في المائة من هذه التحويلات توجه إلى الاستهلاك اليومي للأسر.

هذا الرقم يقول الكثير. فهو يذكّر أولاً بالدور الاجتماعي الحيوي لهذه التحويلات. فهي تغطي مصاريف المعيشة، العلاج، الدراسة، الفواتير، إصلاح البيوت، والمصاريف الطارئة. وفي كثير من الحالات، تمنع أسراً كاملة من السقوط في الهشاشة.

لكنه يكشف في الوقت نفسه عن محدودية هيكلية: جزء صغير فقط من هذه الأموال يتحول إلى استثمار منتج، مقاولات، فرص شغل، مشاريع محلية أو أنشطة اقتصادية مستدامة. المغرب يتلقى تحويلات مهمة، لكنه لا ينجح بعد في توجيه ما يكفي منها نحو الإنتاج.

ولا يمكن تحميل المسؤولية لمغاربة العالم وحدهم. فكثير منهم يرغبون فعلاً في الاستثمار داخل المغرب، لكنهم يصطدمون بأسئلة متشابكة: من أين أبدأ؟ من أخاطب؟ ما هي الوثائق المطلوبة؟ كيف أضمن المشروع؟ كيف أتابعه عن بعد؟ ما هي التحفيزات؟ وما هي المخاطر؟

بالنسبة لمغربي يعيش في باريس أو بروكسيل أو أمستردام أو مونتريال أو ميلانو، يمكن أن تتحول الرغبة في الاستثمار بسرعة إلى مسار إداري معقد.

الإدارة ومناخ الأعمال والحاجة إلى تحفيز أوضح

العوائق معروفة: تعقيد المساطر الإدارية، بعض الإكراهات المرتبطة بمناخ الأعمال، وضعف التحفيزات أو غموضها بالنسبة للمستثمرين من الجالية. هذه عبارات تقنية، لكنها تخفي واقعاً بسيطاً.

مغربي مقيم بالخارج يريد إطلاق مشروع فلاحي، وحدة صناعية صغيرة، نشاط سياحي، مقاولة خدماتية أو تجارة في منطقته الأصلية يحتاج إلى وضوح. من المسؤول عن الملف؟ كم يستغرق الترخيص؟ ما هي الكلفة؟ هل هناك تمويل؟ ما الضمانات؟ ما الوضع الضريبي؟ ماذا يحدث إذا وقع نزاع؟

طالما بقيت هذه الأسئلة بلا أجوبة سهلة، فإن المال سيتجه طبيعياً نحو ما هو مباشر وآمن: الأسرة، الاستهلاك، العقار، ومصاريف العودة الصيفية. وهذا سلوك مفهوم وعقلاني.

هل تكفي الإصلاحات لتغيير المسار؟

يرى بنك المغرب أن الإصلاحات التي تم إطلاقها خلال السنوات الأخيرة يمكن أن تخلق إطاراً أكثر ملاءمة. فالميثاق الجديد للاستثمار، وميثاق المقاولات الصغيرة جداً، وتعميم الحماية الاجتماعية، كلها أوراش قد تساعد على توجيه جزء أكبر من تحويلات مغاربة العالم نحو الاستثمار وخلق فرص الشغل.

لكن الإصلاح لا ينجح بمجرد الإعلان عنه. يجب شرحه، تبسيطه، ترجمته إلى مساطر مفهومة، وجعله قابلاً للاستعمال من طرف مواطن يعيش خارج التراب الوطني.

مغاربة العالم لا يحتاجون فقط إلى نصوص. يحتاجون إلى مخاطبين، منصات واضحة، آجال معروفة، متابعة فعلية، وحماية قانونية. باختصار، يحتاجون إلى الثقة.

وتصبح المسألة أكثر أهمية في العالم القروي. فإذا تم توجيه جزء من تحويلات الجالية نحو مشاريع محلية منتجة، فقد تساهم في خلق فرص عمل، دعم التعاونيات، تطوير بعض السلاسل الفلاحية والسياحية، والحد من هجرة الشباب نحو المدن أو الخارج.

التحدي الحقيقي: تحويل الارتباط إلى مشروع

يمتلك المغرب رصيداً كبيراً: جالية مرتبطة وجدانياً بالوطن. لكن الارتباط وحده لا يكفي. يجب تأطيره، حمايته، وتحويله إلى مشاريع.

مغربي العالم الذي يرسل المال إلى أسرته يقوم بالفعل بدور اقتصادي واجتماعي مهم. لكن مغربي العالم الذي يستثمر في مقاولة، تعاونية، ضيعة، مشروع سياحي أو شركة ناشئة يصبح فاعلاً تنموياً مباشراً.

والانتقال من الدور الأول إلى الدور الثاني لا يتم بالشعارات. يتم عبر استراتيجية واضحة: تقليص كلفة التحويلات، الحفاظ على القنوات البنكية في أوروبا، تبسيط الاستثمار، توفير المعلومة، حماية المستثمرين، والتوقف عن النظر إلى الجالية فقط كمصدر للعملة الصعبة.

 تحويلات مغاربة العالم أمام لحظة اختبار

تشديد القواعد الأوروبية يذكّرنا بحقيقة بسيطة: تحويلات مغاربة العالم لا تعتمد فقط على وفاء الأسر أو تعلقها بالوطن. إنها تعتمد أيضاً على قواعد دولية، بنوك، اتفاقات قانونية، تكاليف، ثقة وسياسات عمومية.

لذلك، على المغرب أن يتحرك على جبهتين. في الخارج، الدفاع لدى الشركاء الأوروبيين عن استمرار الخدمات المالية الموجهة للجالية. وفي الداخل، العمل على تحويل جزء أكبر من هذه التحويلات إلى رافعة للتنمية، دون نسيان وظيفتها الاجتماعية الأساسية.

فخلف كل تحويل مالي توجد حكاية عائلية. لكن خلف مليارات الدراهم التي تدخل المغرب كل سنة، توجد أيضاً قضية وطنية: كيف ننتقل من اقتصاد الدعم العائلي إلى اقتصاد المشروع؟

مغاربة العالم أثبتوا وفاءهم. وما يحتاجه المغرب اليوم هو بناء الآليات التي تسمح لهذا الوفاء بأن يتحول، أكثر فأكثر، إلى قوة إنتاجية تخدم الأسر، المناطق، والاقتصاد الوطني.

هل أعجبك هذا المقال؟
حجم الخط 100%
Publicité

مقالات ذات صلة

💬 التعليقات (0)

💬

لا توجد تعليقات. كن أول من يعلق!

✏️ اكتب تعليقك

لن يُنشر
0/1000