تحويلات قياسية… لكن دعم محدود عند العودة
مغاربة العالم ليسوا مجرد زوار صيفيين. فهم يساعدون أسرهم، يمولون السكن، يساهمون في الاستهلاك، يستثمرون، ويقوون احتياطات المملكة من العملة الصعبة.
وقد تجاوزت تحويلاتهم السنوية 122 مليار درهم، في رقم يعكس مرة أخرى الأهمية الاستراتيجية للجالية بالنسبة للاقتصاد الوطني.
هذه الأرقام تحظى بالإشادة في التقارير والخطابات، لكن عند حجز تذكرة السفر، يجد المواطن نفسه وحيداً أمام منطق السوق وارتفاع الأسعار خلال العطل المدرسية وموسم الصيف.
لا أحد يطالب بمجانية السفر. المطلوب هو الاعتراف بأن علاقة المغرب بملايين مواطنيه في الخارج لا ينبغي أن تبقى خاضعة بالكامل لمنطق تجاري موسمي.
أوروبا وأمريكا والخليج: نفس الضغط المالي بطرق مختلفة
بالنسبة لمغاربة أوروبا، توجد عدة خيارات: الطائرة، السيارة عبر فرنسا وإسبانيا، أو السفر بحراً. لكن كل هذه الحلول مكلفة.
السفر بالسيارة يعني الوقود، الطرق المؤدى عنها، الفنادق، الطعام، ثم ثمن العبّارة. أما الطائرة، فتعني أسعار الذروة، أمتعة إضافية، وتذاكر لكل فرد من الأسرة.
بالنسبة للمغاربة المقيمين في الولايات المتحدة أو كندا، تبقى الطائرة غالباً الخيار الوحيد. وعندما تسافر أسرة من أربعة أو خمسة أشخاص، قد تصبح الفاتورة مرهقة جداً.
أما مغاربة قطر والإمارات والسعودية وباقي دول الخليج، فيواجهون بدورهم ارتفاع الأسعار، قلة بعض الرحلات المباشرة، تكاليف التوقف، ومصاريف الأمتعة.
المشكل عالمي، وإن اختلفت المسافات ووسائل السفر.
عملية مرحبا تستقبل المسافرين… لكنها لا تساعدهم على شراء التذكرة
تلعب عملية مرحبا دوراً أساسياً في استقبال ومواكبة مغاربة العالم في الموانئ والمطارات ونقاط العبور.
لكن هذه المواكبة تبدأ غالباً بعد أن يكون المواطن قد دفع ثمن الرحلة بالفعل.
المشكل الأول الذي يواجه الأسرة هو القدرة على شراء التذكرة أصلاً.
رفع عدد الرحلات البحرية والجوية مهم، لكنه لا يضمن تلقائياً أسعاراً معقولة. فعندما يتركز الطلب في بضعة أسابيع صيفية، تظل الأسعار مرتفعة حتى مع زيادة العرض.
لذلك، يحتاج المغرب إلى الانتقال من منطق الاستقبال فقط إلى سياسة وطنية لتنقل الجالية.
الاستمرارية الترابية ليست فكرة خيالية
توجد نماذج مشابهة في مناطق أخرى.
في كورسيكا، يستفيد السكان من أسعار تفضيلية على الرحلات الجوية نحو البر الفرنسي في إطار نظام الاستمرارية الترابية. ويقوم هذا النموذج على التزامات خدمة عمومية، وأسعار مضبوطة، وتعويضات مالية.
كما نوقشت هناك فكرة تعرفة خاصة بالدياسبورا لفائدة أبناء الجزيرة المقيمين خارجها، باعتبار أن الحفاظ على الصلة العائلية والثقافية جزء من السياسة العمومية.
لا يمكن للمغرب نسخ هذا النموذج حرفياً، لأن الجالية موزعة على عدة قارات وتستخدم خطوطاً دولية. لكن المبدأ يستحق الدراسة: دعم محدد، قواعد واضحة، وأسعار متفاوض بشأنها.
مقترح MM News: “جواز العودة إلى المغرب”
تقترح MM News فتح نقاش وطني حول إحداث “جواز العودة إلى المغرب” لفائدة الأسر المغربية المقيمة بالخارج.
لا يتعلق الأمر بتخفيض مفتوح للجميع، ولا بمنحة نقدية غير مراقبة. يمكن أن يكون البرنامج عبارة عن دعم سنوي محدد السقف، يُستخدم لرحلة ذهاب وإياب واحدة بالطائرة أو البحر.
ويمكن أن يعتمد على المبادئ التالية:
- دعم رحلة سنوية واحدة لكل مستفيد مؤهل؛
- أولوية للأسر ذات الأطفال، والطلبة، وكبار السن، وذوي الدخل المحدود والمتوسط؛
- مبالغ مختلفة حسب منطقة الإقامة: أوروبا، أمريكا الشمالية، إفريقيا، الخليج؛
- فتح الاستفادة عبر عدة شركات، لتفادي الاحتكار؛
- دفع مباشر للشركة أو تعويض رقمي آمن؛
- وضع سقف للأسعار حتى لا ترفع الشركات أثمانها لامتصاص الدعم.
يمكن إطلاق البرنامج في البداية بشكل تجريبي على بعض الخطوط أو لفئات محددة، ثم تقييم نتائجه.
لا لتمويل الدعم عبر فرض ضريبة على التحويلات
ينبغي ألا يتم تمويل هذا النظام عبر ضريبة جديدة على تحويلات الجالية.
هذه الأموال ملك للأسر، ولا يجب معاقبتها.
لكن المستوى القياسي للتحويلات يشكل حجة قوية لتوجيه جزء أكبر من الميزانيات العمومية المخصصة لمغاربة العالم نحو خدمات ملموسة: النقل، المواكبة الإدارية، الحماية القانونية، الاستثمار، ونقل الثقافة للأجيال الجديدة.
كما يمكن أن يساهم في التمويل كل من الدولة، والجماعات الترابية، والخطوط الملكية المغربية، وشركات النقل البحري، وشركات أخرى معتمدة، في إطار شفاف.
وقد أظهر المغرب سابقاً أن التدخل ممكن. ففي صيف 2021، تم اعتماد أسعار استثنائية مخفضة لفائدة مغاربة العالم في ظرف خاص، وهو ما يشكل سابقة مهمة يمكن البناء عليها.
دعم التذاكر قد يكون استثماراً اقتصادياً أيضاً
تسهيل سفر مغاربة العالم ليس مجرد تكلفة اجتماعية.
عندما تصل الأسر إلى المغرب، تنفق على الفنادق، المطاعم، الوقود، كراء السيارات، الأسواق، الإصلاحات المنزلية، المناسبات العائلية، والأنشطة السياحية.
كما تزور مناطقها الأصلية، تدعم الأقارب، وتعرّف أبناءها بالمغرب.
تذكرة أقل سعراً قد تفتح الباب أمام إنفاق أكبر بكثير داخل المملكة.
وهناك بعد أعمق أيضاً. فعندما تتوقف أسرة عن زيارة المغرب لعدة سنوات بسبب غلاء الأسعار، لا يخسر البلد فقط مداخيل سياحية، بل قد يبتعد الجيل الجديد تدريجياً عن اللغة، والذاكرة العائلية، والشعور بالانتماء.
حتى لا يتحول الدعم إلى هدية لشركات النقل
أي دعم عمومي يحتاج إلى ضوابط صارمة.
فبدون مراقبة الأسعار، قد تستفيد الشركات من الدعم أكثر من الأسر.
لذلك، يجب أن يواكب “جواز العودة إلى المغرب” مرصد مستقل للأسعار، يتابع تطورها، يقارن بين الخطوط، وينشر بيانات شفافة قبل وأثناء الموسم الصيفي.
كما ينبغي أن تلتزم الشركات المشاركة بـ:
- تخصيص عدد أدنى من المقاعد المدعمة؛
- احترام سقف سعري حسب كل خط؛
- وضوح شروط الأمتعة؛
- مرونة معقولة في تعديل التذاكر؛
- حماية الأسر عند الإلغاء أو التأخير.
الهدف ليس ضرب المنافسة، بل شراء خدمة عمومية حقيقية لفائدة المواطنين المغاربة بالخارج.
مغاربة العالم يريدون أكثر من كلمات الشكر
تسمع الجالية باستمرار كلمات عن وطنيتها، وتحويلاتها، ودورها في إشعاع المغرب.
هذه الرسائل مهمة، لكنها تحتاج إلى ترجمة عملية.
عندما تضطر أسرة إلى الاختيار بين دفع آلاف اليوروهات أو حرمان الأبناء من رؤية أجدادهم، يصبح الارتباط بالوطن مسألة قدرة شرائية.
المغرب يستقبل أبناءه في الموانئ والمطارات. وقد يكون الوقت قد حان لمساعدتهم في الخطوة التي تسبق هذا الاستقبال: شراء التذكرة التي تعيدهم إلى الوطن.
العودة إلى المغرب يجب ألا تصبح ترفاً صيفياً
لا يمكن للدولة أن تتحكم وحدها في كل أسعار الطيران والنقل البحري. هناك تكاليف الوقود، الضرائب، الموسم، التشغيل والمنافسة.
لكن الاختيار ليس بين سوق بلا حدود وسفر مجاني. هناك خيار ثالث: دعم اجتماعي محدد، شفاف، وموجه.
ومع تجاوز تحويلات مغاربة العالم 122 مليار درهم خلال سنة واحدة، فقد أثبتت الجالية مرة أخرى قوة التزامها بالمغرب.
حان الوقت لفتح نقاش جدي حول الاستمرارية الترابية مع مغاربة العالم.
سواء كانوا في أوروبا أو أمريكا أو إفريقيا أو الخليج، لا ينبغي أن تتحول صلتهم بالمغرب إلى امتياز لفائدة من يستطيع فقط دفع أعلى الأسعار.
“جواز العودة إلى المغرب” يستحق الدراسة، ليس كمنحة للجالية، بل كاستثمار وطني في الأسرة، والتنقل، ومستقبل علاقة المملكة بأبنائها في الخارج.
💬 التعليقات (0)
لا توجد تعليقات. كن أول من يعلق!
✏️ اكتب تعليقك