رياضة مميز

حين يصنع الضجيج بطولة وهمية… ويبقى التاريخ للميدان

هناك لحظات في كرة القدم تكشف الفرق بين من يتابع اللعبة، ومن يعيش فقط على صخبها. وبين من يقرأ المسار كاملاً، ومن يختصر بطولة كاملة في تسعين دقيقة. وبين من ينظر إلى النتائج بعين هادئة، ومن يبحث كل صباح عن مقارنة جديدة تشعل المنصات وتغذي الخصومات.

1 دقيقة للقراءة 👁 8 مشاهدة 💬 0 تعليق
AR FR EN
حين يصنع الضجيج بطولة وهمية… ويبقى التاريخ للميدان
Publicité

بعد خروج المنتخب المغربي أمام فرنسا بهدفين دون رد، ارتفعت أصوات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وبعضها وجد طريقه إلى منابر وإذاعات يفترض فيها أن تكون أكثر توازناً. فجأة، أصبح أداء مباراة واحدة حجة لمحو مسار كامل، وتحولت هزيمة أمام منتخب فرنسي في أوج قوته إلى مناسبة للتقليل من قيمة ما حققه أسود الأطلس.

لكن كرة القدم ليست منشوراً عابراً. وليست مقطعاً ساخراً. وليست موجة تنتهي بعد ساعات. كرة القدم تاريخ، والتاريخ لا يسجل عدد التعليقات، بل يسجل النتائج.

التاريخ لا يسأل كيف لعبت… بل إلى أين وصلت

يمكن لمنتخب أن يقدم مباراة جميلة ويغادر. ويمكن لآخر أن يعاني ثم يتأهل. في النهاية، تبقى الأدوار التي بلغتها المنتخبات، وتبقى قدرتها على تكرار الإنجاز.

المغرب وصل إلى نصف نهائي كأس العالم 2022، ثم عاد ليبلغ ربع النهائي في 2026. هذه ليست صدفة، وليست لحظة عاطفية عابرة. إنها نتيجة منظومة تعمل، وتخطط، وتراكم الخبرة.

ولذلك، فإن اختزال المشاركة المغربية في مباراة فرنسا ليس تحليلاً. إنه تبسيط مخل لمسار كامل.

من حق الجميع أن يفرح… لكن ليس على حساب الحقيقة

من حق الجماهير المصرية أن تفتخر بمنتخبها. ومن حق الجزائريين أن يدافعوا عن منتخبهم. ومن حق كل شعب أن يحتفل بما يعتبره إنجازاً.

لكن الاحتفال لا يحتاج إلى التقليل من الآخرين.

إذا كان الوصول إلى دور الـ16 إنجازاً بالنسبة لمنتخب، فهذا حقه. وإذا كان الخروج من ربع النهائي مصدر حزن بالنسبة للمغرب، فهذا لأن سقف الطموح تغير. المنتخب المغربي لم يعد يذهب إلى كأس العالم من أجل المشاركة أو الظهور المشرف فقط. صار يذهب وهو يفكر في نصف النهائي، النهائي، وربما اللقب.

وهنا تكمن الفجوة الحقيقية بين الضجيج والواقع.

المغرب لم يعد مفاجأة

في 2022، قيل إن المغرب صنع مفاجأة. في 2026، عاد إلى الأدوار المتقدمة. والمفاجأة إذا تكررت، لم تعد مفاجأة.

المغرب أصبح منتخباً يعرف كيف يصل. يعرف كيف ينافس. ويعرف كيف يفرض على العالم أن ينظر إليه كقوة كروية حقيقية.

قد يخسر مباراة. قد يمر بيوم أقل جودة. قد يواجه فريقاً أقوى. هذا يحدث لأكبر المنتخبات. لكن ما يحدد قيمة المشروع هو الاستمرارية، لا لحظة عابرة.

فرنسا لم تكن خصماً عادياً

المنتخب المغربي لم يخرج أمام فريق ضعيف، ولا أمام منتخب يعيش مرحلة انتقالية. لقد خرج أمام فرنسا قوية، ممتلئة بالنجوم، غنية بالحلول، ومسلحة بترسانة هجومية جعلتها مرشحة بقوة للذهاب بعيداً.

الهزيمة أمام هذا النوع من المنتخبات لا تمحو المسار. بل تمنح المشروع المغربي اختباراً جديداً، ودرساً جديداً، وفرصة جديدة للتطور.

المنتخبات الكبرى لا تنضج فقط عبر الانتصارات. تنضج أيضاً عبر معرفة أين تأخرت، وأين أخطأت، وكيف تعود أقوى.

مواقع التواصل ليست جدول ترتيب

المشكل أن مواقع التواصل أصبحت لدى البعض المرجع الأول والأخير. كأن الترند أهم من النتيجة. وكأن عدد المقاطع الساخرة أقوى من مسار بطولة كاملة.

لكن المنصات لا تمنح نقاطاً. لا تؤهل إلى ربع النهائي. لا تصنع منتخباً. ولا تبني منظومة.

الميدان وحده يفعل ذلك.

وعلى الميدان، المغرب حاضر. حاضر بالنتائج، بالاستمرارية، بالتكوين، بالبنية التحتية، وبطموح لا يتراجع.

الإعلام مطالب باحترام عقول الجمهور

الأكثر خطورة ليس ما يقوله جمهور متحمس، بل أن تنجر بعض المنابر الإعلامية إلى الخطاب نفسه.

الإعلام الرياضي ليس مهمته إشعال الخصومات، بل تفسيرها. ليس دوره أن يختار أكثر العبارات استفزازاً، بل أن يضع الوقائع في سياقها.

وعندما يصل المغرب إلى ربع النهائي للمرة الثانية توالياً، فإن التعامل المهني يفرض الاعتراف بقيمة هذا المسار، حتى مع وجود ملاحظات فنية مشروعة.

أما بناء الأحكام على مباراة واحدة، فهو لا يخدم الحقيقة ولا الجمهور.

المشروع المغربي أكبر من المقارنات اليومية

المغرب لا يعمل ليهزم منشوراً على فيسبوك، ولا ليجيب عن برنامج صباحي، ولا ليدخل في حرب كلامية مع جمهور عربي آخر.

المشروع أكبر من ذلك.

هناك منتخب يتطور. هناك أكاديميات. هناك بنية تحتية. هناك عمل على الفئات السنية. هناك استقطاب للكفاءات. وهناك رؤية تريد أن تجعل الحضور في الأدوار المتقدمة عادة، لا استثناء.

ولهذا، فالمطلوب اليوم ليس الرد على كل تعليق، بل مواصلة البناء.

الأسود يكتبون تاريخهم على العشب

ما سيبقى بعد سنوات ليس ضجيج المقارنات، بل أن المغرب وصل إلى نصف نهائي في 2022، ثم إلى ربع نهائي في 2026.

سيبقى أن المنتخب المغربي رفع سقف الطموح العربي والإفريقي. وسيبقى أن الحزن على الخروج من ربع النهائي صار دليلاً على أن المغرب لم يعد يرضى بالقليل.

هذه هي الحقيقة التي لا تحتاج إلى دفاع طويل.

الخلاصة: دعوا الضجيج للمنصات… واتركوا التاريخ للميدان

يمكن للضجيج أن يعلو يوماً أو أسبوعاً. يمكن للمقارنات أن تتكرر. ويمكن لبعض الأصوات أن تحاول التقليل من المسار المغربي.

لكن التاريخ لا يلتفت إلى ذلك.

التاريخ سيسجل أن المغرب كان هناك، بين الكبار، مرة بعد مرة. وسيسجل أن مشروعه لم يتوقف عند مباراة، ولم يهتز أمام موجة عابرة.

أسود الأطلس لا يحتاجون إلى بطولة افتراضية. بطولتهم الحقيقية تُلعب على الميدان، وهناك، المغرب يواصل التقدم. والقادم أفضل.

هل أعجبك هذا المقال؟
حجم الخط 100%
Publicité

مقالات ذات صلة

💬 التعليقات (0)

💬

لا توجد تعليقات. كن أول من يعلق!

✏️ اكتب تعليقك

لن يُنشر
0/1000