غيرت الانتخابات التشريعية المغربية الحزب المتصدر من دون أن تفكك الكتلة الحكومية السابقة. فقد حصل حزب الأصالة والمعاصرة على 97 مقعدا من أصل 395، متقدما على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا وحزب الاستقلال بـ65. وكانت الأحزاب الثلاثة تشكل الأغلبية المنتهية ولايتها، وما تزال تملك مجتمعة 228 مقعدا، أي أكثر من عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198.
لكن الاستمرارية العددية تخفي تحولا سياسيا واضحا. زاد الأصالة والمعاصرة عشرة مقاعد وانتقل إلى الصدارة. وخسر التجمع الوطني للأحرار 36 مقعدا وفقد المبادرة. وتراجع الاستقلال من 81 إلى 65. أما العدالة والتنمية فقفز من 13 إلى 54 مقعدا، ليستعيد القدرة على تشكيل قطب معارض داخل البرلمان.
تحمل النتيجة ثلاث رسائل: تقدم الأصالة والمعاصرة، ومحاسبة الحزب الذي قاد الحكومة، وعودة معارضة واضحة. غير أن رسالة رابعة تطغى عليها جميعا: نسبة مشاركة في حدود 38 في المئة، وهي الأدنى منذ 2007.
الصدارة لا تكفي للحكم
لا يملك الأصالة والمعاصرة، بأقل من ربع المقاعد، أغلبية تسمح له بالحكم منفردا. ويمنحه الفصل 47 من الدستور المبادرة السياسية، إذ ينص على تعيين الملك رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب. لكن النتيجة لا تحدد تلقائيا الشخصية التي ستعين ولا الأطراف التي ستشكل التحالف.
أبسط سيناريو حسابيا هو تجديد تحالف الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال بقيادة جديدة. وتوفر مقاعده الـ228 استقرارا عدديا في مرحلة المشاريع الكبرى والاستعداد لكأس العالم 2030. غير أن الأحزاب الثلاثة تبادلت انتقادات حادة خلال الحملة، وسيكون عليها تحويل المنافسة إلى برنامج حكومي مشترك.
وهناك بدائل أخرى: تحالف الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية يجمع 210 مقاعد. كما يصل تحالف الأصالة والمعاصرة والتجمع والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري إلى 209. لكن الأرقام لا تصنع حكومة وحدها؛ فالتقارب البرنامجي وتقاسم المسؤولية والقدرة على الاستمرار أهم من الجمع الحسابي.
قالت فاطمة الزهراء المنصوري إن حزبها لا يضع خطوطا حمراء مسبقة، وإن البرامج ستحسم التحالفات، مع احترام التسلسل المؤسساتي قبل بدء المفاوضات الرسمية. ومن جهته، اعترف محمد شوكي بتراجع التجمع الوطني للأحرار، مؤكدا ضرورة الإنصات إلى رسالة الناخبين وترك القرار لهيئات الحزب. أما الاستقلال، بفارق مقعد واحد عن التجمع، فقد أصبح رقما محوريا في أغلب التركيبات الممكنة.
العدالة والتنمية يستعيد المعارضة
لم يفز العدالة والتنمية بالمرتبة الأولى، لكنه حقق أكبر زيادة بين الأحزاب الكبرى، إذ ربح 41 مقعدا. واعتبر عبد الإله بنكيران النتيجة انتصارا سياسيا يطوي هزيمة 2021، وأعلن رفضه الشخصي للمشاركة في حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة، مع بقاء القرار الرسمي بيد مؤسسات الحزب.
إذا تأكد هذا التوجه، فسيملك الحزب 54 نائبا لبناء معارضة قوية. وقد تسمح خريطة المجلس الجديدة برقابة أكثر حضورا من الولاية السابقة، سواء خلال مناقشة الميزانية أو الأسئلة الشفوية أو عمل اللجان أو مساءلة الحكومة.
ولا تعني العودة استرجاع هيمنة الحزب السابقة. فهو يحتل المرتبة الرابعة وبعيد عن الأغلبية. لكنها تعكس إعادة تجميع قاعدته، ونجاح حملة ركزت على الأسعار والبطالة والصحة والفساد، واستفادته من الرغبة في معاقبة الحكومة السابقة.
الكتلة الأكبر لا مقاعد لها
أعلنت وزارة الداخلية مشاركة بنسبة 38.08 في المئة أثناء تقديم النتائج، بعدما ذكر بلاغ الإغلاق 38.02 في المئة. ويحتاج الفارق البالغ 0.06 نقطة إلى توضيح رسمي، لكنه لا يغير الدلالة السياسية: نحو 62 في المئة من المسجلين لم يصوتوا.
وتبقى المقارنة مع 2021 غير مكتملة لأن الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية نُظمت يومها معا. ومع ذلك، فإن التراجع كبير، خصوصا أن التسجيل غير تلقائي وأن 15.8 مليون مسجل لا يمثلون جميع المغاربة البالغين سن التصويت.
ولا يحمل الامتناع معنى واحدا. فهو يجمع بين فقدان الثقة، واللامبالاة، وصعوبات المشاركة، وخيار المقاطعة، والشعور بأن التصويت لا يغير الحياة اليومية. وستكون الأغلبية المقبلة شرعية من الناحية القانونية، لكنها مطالبة بتوسيع شرعيتها السياسية عبر النتائج.
وقد ركزت ردود المواطنين بعد الاقتراع على القدرة الشرائية والشغل والمستشفيات والمدارس أكثر من الاحتفال الحزبي. سترث الحكومة المقبلة استثمارات ضخمة، لكن معيار نجاحها سيكون قدرة النمو والاستعداد لمونديال 2030 على تحسين معيشة الأسر والخدمات خارج مواقع المشاريع الكبرى.
طنجة: أسئلة جدية وتحقيقات لم تنته
وصفت السلطات يوم الاقتراع بأنه مر في ظروف عادية إجمالا، باستثناء وقائع معزولة. وشارك أكثر من ثلاثة آلاف مراقب مغربي وأجنبي، لكن تقاريرهم النهائية تبقى ضرورية لتقييم مستقل.
وبرز تحقيقان قضائيان منفصلان في طنجة. فُتح الأول بعد انتشار فيديو يظهر عدة أظرفة داخل صندوق شفاف. أما الثاني فجاء بعد توقيف رجل داخل مدرسة تضم مركزا للتصويت وبحوزته حقيبة تحتوي على أوراق انتخابية. وأكدت النيابة أن البحث يهدف إلى تحديد حقيقة الوقائع وترتيب الآثار القانونية المناسبة.
هذه الوقائع تستحق التحقيق، لكنها لا تثبت حتى الآن أن الأوراق صحيحة أو استُعملت أو كانت موجهة إلى حزب بعينه أو أثرت في نتيجة. وجه العدالة والتنمية اتهامات، بينما رفضها الأصالة والمعاصرة وأيد التحقيق القضائي. وإلى أن تظهر النتائج، يجب تقديمها كادعاءات منسوبة لا كعملية تزوير ثابتة.
كما تداولت معطيات عن تسليم المحاضر واستقطاب الناخبين وممارسات حول المكاتب. ولا يجوز تحويلها إلى حقائق قبل توثيقها من طرف المراقبين أو الإدارة أو القضاء. الحذر القانوني هنا لا يعني تجاهل الملف، بل يحمي مصداقية أي نتيجة لاحقة.
الخارج قرأ الامتناع قبل الانتصار
ركزت التغطية الدولية على أربعة عناصر: صدارة الأصالة والمعاصرة، وخسائر التجمع الوطني للأحرار، وعودة العدالة والتنمية، وضرورة تشكيل ائتلاف. لكن العنوان الأبرز خارج المغرب كان ضعف المشاركة.
في إسبانيا، حيث ترتبط متابعة المغرب بالهجرة والأمن والاقتصاد ومونديال 2030، تصدرت نسبة الامتناع التي قاربت 61.9 في المئة التغطية. وفي فرنسا، غلبت قراءة تعتبر النتيجة إعادة ترتيب داخل الأغلبية السابقة أكثر من كونها تناوبا كاملا. أما وسائل الإعلام الإفريقية والأنغلوساكسونية فربطت التصويت بانتظارات المواطنين في الأسعار والشغل والصحة والتعليم.
واستعجلت بعض التغطيات تحديد هوية رئيس الحكومة المقبل. فالدستور يفرض أن يكون من الحزب المتصدر، لكن التعيين يعود إلى الملك ولم يكن قد صدر صباح 25 شتنبر. كما أن التصنيفات الأجنبية للأحزاب لا تعكس دائما تعقيد المشهد السياسي المغربي.
وحتى الساعة 16:15 بتوقيت باريس من يوم 25 شتنبر، لم ترصد MMNEWS موقفا رسميا بارزا من حكومة أجنبية أو منظمة دولية يؤيد النتائج أو يطعن فيها. لذلك يجب التمييز بين تغطية الصحافة الدولية وبين رد فعل دبلوماسي لم يظهر علنا بعد.
مغاربة العالم: الدائرة الغائبة
تابع مغاربة العالم الانتخابات، خصوصا في فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا وكندا ودول الخليج، لكن حضورهم يكاد يختفي من النتيجة. فقد أُتيح التصويت بالوكالة مع تسهيل الإجراءات الأولية إلكترونيا، من دون نشر حصيلة مفصلة لعدد الوكالات المقبولة والمستعملة فعليا.
ولا ينتخب مغاربة العالم نوابا عن دوائر خاصة بالخارج. وتذوب أصواتهم داخل الدوائر المغربية، من دون نسبة مشاركة مستقلة أو تمثيل برلماني مباشر. ويصعب استمرار هذا الفراغ بالنظر إلى وزنهم الديمغرافي والاقتصادي والثقافي.
يستطيع البرلمان المقبل تحويل القضية إلى ورش عملي: نشر أرقام الوكالات، وتقييم المنصة الإلكترونية، ودراسة التصويت القنصلي أو الإلكتروني الآمن، وإعادة مناقشة التمثيل المباشر. الهدف ليس فصل مغاربة الخارج عن مواطني الداخل، بل منح وحدة المواطنة أثرا انتخابيا فعليا.
الفوز الحقيقي يبدأ بعد التحالف
لم تمنح الانتخابات تفويضا مفتوحا. وضعت الأصالة والمعاصرة في الصدارة، وأعادت ترتيب الأغلبية، ورممت المعارضة، وكشفت استمرار أزمة الثقة. ويتعين الآن على الائتلاف المقبل تحويل أغلبية المقاعد إلى أغلبية قادرة على الفعل.
لن يكون الامتحان الأول في حفل التعيين أو توزيع الحقائب، بل في وضوح العقد الحكومي: ماذا سيتغير في الأسعار والشغل والخدمات؟ كيف ستقاس الوعود؟ وما مكان الشباب والجهات ومغاربة العالم في القرار؟
أنتج اقتراع 23 شتنبر فائزا انتخابيا. أما الإجابة السياسية فستكتبها الولاية المقبلة.
💬 Comments (0)
No comments yet. Be the first!
✏️ Leave a comment