دخل المغرب مرحلة مؤسساتية غير مسبوقة. فقد استقبل صاحب الجلالة الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري بالقصر الملكي في الرباط، وعيّنها رئيسة للحكومة طبقا للفصل 47 من الدستور، وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة.
ويأتي هذا التعيين في أعقاب الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر، التي تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة بحصوله على 97 مقعدا من أصل 395. وقد منحت هذه النتيجة الحزب أولوية قيادة المشاورات، لكنها لم تمنحه الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعدا.
سابقة نسائية تتجاوز دلالة الرمز
يمثل وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة تحولا رمزيا وسياسيا بارزا. فللمرة الأولى تتولى امرأة قيادة السلطة التنفيذية المنتخبة في المغرب، بما يحمله ذلك من رسالة قوية بشأن حضور النساء في مواقع القرار.
لكن التعيين يرفع أيضا سقف الانتظارات. فالمنصوري، وهي محامية سابقة ووزيرة سابقة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وعمدة لمراكش وقيادية بارزة في حزب الأصالة والمعاصرة، تجمع بين الخبرة الحكومية والتدبير المحلي والعمل الحزبي.
وستقاس المرحلة الجديدة بقدرتها على تحويل هذه الخبرة إلى قرارات ملموسة تمس قضايا الشغل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والسكن والعدالة المجالية. فالقيمة التاريخية للتعيين ستزداد رسوخا كلما انعكست على جودة السياسات العمومية ونجاعتها.
مفاوضات الأغلبية: أول امتحان سياسي
يحتاج حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يتوفر على 97 مقعدا، إلى 101 مقعد إضافي على الأقل لضمان الأغلبية المطلقة. وحسابيا، يمكن لتحالف يجمعه بالتجمع الوطني للأحرار، الحاصل على 66 مقعدا، وحزب الاستقلال، الحاصل على 65 مقعدا، أن يصل إلى 228 مقعدا.
غير أن الجمع الحسابي لا يعني وجود اتفاق سياسي. فالمشاورات مطالبة بحسم هوية مكونات الأغلبية، والبرنامج الذي سيجمعها، وتوزيع المسؤوليات داخل الحكومة. وقد أعلنت المنصوري انطلاق المشاورات فورا، بداية داخل حزبها ثم مع باقي الأحزاب، تمهيدا لرفع مقترح تشكيلة الحكومة إلى جلالة الملك.
ومن الضروري التمييز بين تعيين رئيسة الحكومة وتشكيل الحكومة نفسها. فالدستور ينص على أن الملك يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. وبعد التعيين، يتعين على الحكومة أن تقدم برنامجها أمام البرلمان وأن تحصل على ثقة الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب.
اهتمام دولي وأسئلة مباشرة لدى مغاربة العالم
ركزت التغطية الدولية على الطابع التاريخي للقرار. فقد أبرزت وكالات وصحف دولية، من بينها رويترز ولوموند وإلباييس، أن المغرب أصبح لأول مرة بقيادة امرأة على رأس الحكومة. ويمنح هذا الحدث المملكة صورة متجددة دوليا، لكنه يجعل أداء الحكومة المقبلة موضع متابعة منذ يومها الأول.
أما بالنسبة إلى مغاربة العالم، فالمسألة تتجاوز البعد الرمزي. جودة الخدمات القنصلية، ورقمنة المساطر، وتعبئة الكفاءات، وتسهيل الاستثمار، والتنقل، ونقل الهوية الثقافية إلى الأجيال الجديدة، والمشاركة السياسية؛ كلها ملفات ترتبط مباشرة باختيارات الحكومة المقبلة.
وستكشف التشكيلة الحكومية والبرنامج المنتظر ما إذا كانت قضايا مغاربة العالم ستعامل كسياسة حكومية أفقية، أم ستظل محصورة في قطاع إداري واحد. وهذا أحد المؤشرات الأساسية التي ستتابعها MMNEWS خلال المرحلة المقبلة.
من صناعة الحدث إلى صناعة النتائج
لقد كسر تعيين فاطمة الزهراء المنصوري حاجزا سياسيا طال انتظاره، وفتح للمغرب صفحة تقود فيها امرأة الحكومة لأول مرة. لكن الدلالة الأعمق لهذه اللحظة ستتحدد عبر ما سيأتي بعدها: طبيعة التحالف، وكفاءة الفريق الوزاري، ومضمون البرنامج الحكومي، والقدرة على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية.
كُتبت اللحظة التاريخية في القصر الملكي، أما ترجمتها السياسية فستبدأ داخل البرلمان وفي الحياة اليومية للمواطنين.
💬 Comments (0)
No comments yet. Be the first!
✏️ Leave a comment