العالم مميز

سبتة: بروكسل تراهن بشكل أوضح على المغرب بينما تبدأ إسبانيا في دفع كلفة ما بعد الأزمة

تغيرت صورة الأزمة في سبتة. قبل أيام قليلة، كان التركيز منصباً على الأسوار والشواطئ والفنيدق واحتمال وقوع محاولة عبور جماعية جديدة. أما اليوم، الثلاثاء 18 غشت، فقد أصبح الملف أكثر تعقيداً: آلاف الأشخاص ما يزالون داخل الثغر، والشرطة الإسبانية حددت هوية 2168 قاصراً، بينما بدأت السلطات في إنشاء فضاءات إضافية للإيواء وطالبت الجهات القضائية بتعزيز الموارد البشرية. لكن التطور الأكثر دلالة سياسياً ربما يأتي من بروكسل. فالمفوضية الأوروبية أصبحت تشدد بشكل أكثر وضوحاً على ضرورة أن تحافظ السلطات المغربية على السيطرة على الوضع في محيط سبتة، بالتوازي مع محاولة إسبانيا تدبير أوضاع الأشخاص الذين تمكنوا من الدخول بالفعل. هذه الصياغة ليست تفصيلاً. إنها تعكس بوضوح المكانة المركزية التي أصبح يحتلها المغرب في إدارة هذه الأزمة بالنسبة إلى أوروبا.

5 دقيقة للقراءة 👁 28 مشاهدة 💬 0 تعليق
AR
سبتة: بروكسل تراهن بشكل أوضح على المغرب بينما تبدأ إسبانيا في دفع كلفة ما بعد الأزمة

الأزمة لم تعد مجرد مشكلة على الحدود

تبقى سبتة ثغراً خاضعاً للإدارة الإسبانية ويطالب المغرب باسترجاعه، بينما تعتبر مدريد أن الثغر جزء من أراضيها. لكن منذ أحداث نهاية يوليوز، لم يعد التحدي الرئيسي هو فقط منع مزيد من الأشخاص من العبور. إسبانيا مطالبة الآن بإيواء وتحديد هوية وتسوية أو دراسة وضع آلاف الأشخاص الموجودين داخل الثغر. والمفارقة أن العدد الدقيق لهؤلاء لا يزال غير محسوم. المفوضية الأوروبية نفسها تتحدث عن «عدة آلاف» من الأشخاص، من دون تبني رقم نهائي موحد. وهذا في حد ذاته مؤشر على حجم الأزمة. بعد أسابيع من بداية الأحداث، ما تزال السلطات تعمل على تحديد العدد الفعلي للأشخاص الموجودين داخل سبتة.

بروكسل تقول بشكل أوضح ما تنتظره من المغرب

هذه ربما أهم نقطة سياسية في المرحلة الحالية. المفوضية الأوروبية لا تركز فقط على دعم إسبانيا داخل سبتة، بل تعتبر أيضاً أن استمرار المغرب في احتواء الضغط من جانبه عنصر أساسي لاستقرار الوضع. كما أخذت المؤسسات الأوروبية علماً باستعداد المغرب لإعادة استقبال الأشخاص الذين دخلوا بطريقة غير نظامية، بمن فيهم القاصرون غير المصحوبين، مع ضرورة احترام الضمانات القانونية الخاصة بهذه الفئة. الدلالة واضحة. أوروبا لا تنظر فقط إلى مدريد. بل تنظر أيضاً إلى الرباط. عملياً، استقرار هذه النقطة من الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي يعتمد إلى حد كبير على ما يحدث داخل الأراضي المغربية قبل الوصول إلى الثغر.

2168 قاصراً: الرقم الذي يغير حجم الأزمة

أبرز الأرقام الرسمية يتعلق بالقاصرين. بحسب الشرطة الإسبانية، تم تحديد هوية 2168 قاصراً بين 30 يوليوز والساعة التاسعة صباحاً من يوم 18 غشت. لكن يجب قراءة الرقم بحذر. هذا لا يعني بالضرورة أن جميع هؤلاء القاصرين ما يزالون اليوم في الوضع الإداري نفسه أو في المكان نفسه. الرقم يعكس حجم العمل الذي اضطرت السلطات الإسبانية إلى القيام به في ملف حماية الطفولة خلال هذه الفترة.

والفرق كبير. فالقاصر غير المصحوب لا يعامل إدارياً بالطريقة نفسها التي يعامل بها مهاجر بالغ. يجب التحقق من السن والهوية والوضع العائلي والهشاشة والضمانات المرتبطة بأي عودة محتملة. وهذا يحتاج إلى وقت وإجراءات وموارد بشرية.

كم شخصاً ما يزال فعلياً داخل سبتة؟ لا جواب نهائياً بعد

هذه إحدى أكثر النقاط حساسية. تتحدث سلطات سبتة المحلية عن أكثر من 8 آلاف شخص ما يزالون داخل الثغر.

وتقدم اللجنة الإسبانية لمساعدة اللاجئين تقديرات أقل تتراوح تقريباً بين 4 آلاف و6 آلاف.أما بروكسل فتفضل الحديث عن عدة آلاف فقط. لذلك، بالنسبة إلى MMNEWS، من الأدق عدم تحويل أي تقدير من هذه التقديرات إلى رقم رسمي نهائي. الصيغة الأكثر أماناً هي: ما يزال عدة آلاف من الأشخاص في سبتة، لكن لا يوجد حتى الآن رقم موحد ونهائي متفق عليه بين مختلف الجهات. وهذه الفجوة الإحصائية تعكس بدورها صعوبة إدارة الأزمة.

إسبانيا تبدأ في إنشاء 1500 مكان إضافي للإيواء

بدأت مدريد تدريجياً في تحويل التدبير الاستعجالي إلى بنية أكثر تنظيماً. شرع الجيش الإسباني في إقامة خيام في منطقة Loma Colmenar، وهي واحدة من المواقع التي اختيرت لاستقبال المهاجرين مؤقتاً. المرحلة الأولى تهدف إلى توفير 1500 مكان إضافي، مع إمكانية توسيع القدرة لاحقاً إذا تطلب الأمر. كما يفترض أن تشمل هذه الفضاءات مرافق للطعام والاستحمام والنظافة الأساسية. هذا التطور مهم. فإسبانيا لم تعد فقط تعزز حدودها. بل أصبحت تبني بنية مؤقتة لإدارة نتائج أزمة وقعت بالفعل.

النساء والفتيات يتحولن إلى ملف حماية عاجل

البعد الإنساني يزداد تعقيداً بدوره. نساء يعشن في مخيمات أو فضاءات مؤقتة تحدثن عن مخاوف من المضايقات والاعتداءات، خصوصاً خلال الليل. كما أكدت السلطات الصحية الإسبانية التكفل بعدد من النساء بعد تعرضهن لعنف جنسي. هناك أرقام أخرى أعلى أعلنتها جهات نقابية، لكنها لم تحصل كلها على تأكيد رسمي من وزارة الداخلية. والفارق هنا مهم. المؤكد هو أن حماية النساء والقاصرين والفئات الهشة أصبحت جزءاً أساسياً من تدبير الأزمة. الإيواء لم يعد مجرد توفير خيام أو أسرّة. بل أصبح أيضاً مسألة أمن وحماية ومراقبة.

القضاء الإسباني بدأ بدوره يشعر بالضغط

علامة أخرى على انتقال الأزمة إلى مرحلة جديدة جاءت من المؤسسة القضائية. المجلس العام للسلطة القضائية في إسبانيا طالب بتعزيز الموارد المخصصة لمحاكم سبتة. لم يعد الأمر يتعلق فقط بالشرطة وحرس الحدود. القضاة والمدعون العامون والخبراء الطبيون والمترجمون والموظفون الإداريون أصبحوا جزءاً من الاستجابة. فكل أزمة حدودية واسعة تنتج سريعاً ملفات أخرى: طلبات لجوء؛ قضايا تخص القاصرين؛ إجراءات عودة محتملة؛ تحقيقات جنائية؛ التحقق من الهوية؛ وفحوصات وخبرات قضائية. وهكذا تنتشر كلفة الأزمة داخل مؤسسات الدولة كلها.

المغرب يعمل أساساً قبل الحدود

وهنا تظهر القيمة الاستراتيجية للدور المغربي. عندما تعترض القوات المغربية مجموعات في محيط الفنيدق قبل وصولها إلى سبتة، يبقى الملف داخل الأراضي المغربية باعتباره مسألة أمن وهجرة ونظام عام ومحاربة للشبكات.

أما إذا تم العبور، فإن المجموعة نفسها قد تتحول بالنسبة إلى إسبانيا إلى ملف شرطة، وإيواء، ولجوء، وحماية قاصرين، وصحة، وقضاء. هذا الفرق أساسي. في 15 غشت، أعلنت السلطات المغربية اعتراض مئات الأشخاص في محيط الفنيدق قبل وصولهم بشكل جماعي إلى سبتة. واليوم أصبح من الأسهل فهم الأثر الفعلي لهذه المقاربة الوقائية، لأن إسبانيا تتعامل داخل الثغر مع السيناريو المعاكس.

حماية حدود أوروبا لا تعني أن يصبح المغرب “دركي أوروبا”

سيكون من الخطأ اختزال دور المغرب في مهمة واحدة: وقف المهاجرين خدمة لإسبانيا والاتحاد الأوروبي. للمملكة مصالحها الخاصة. هي تحمي أراضيها، وتحارب شبكات الاتجار بالبشر، وتحاول منع تحركات جماعية خطرة، وتتعامل مع تدفقات هجرة قادمة من مناطق مختلفة في أفريقيا. وكانت أرقام 15 غشت معبرة جداً، إذ شكل القادمون من أفريقيا جنوب الصحراء أغلبية كبيرة بين الأشخاص الذين تم اعتراضهم قرب الفنيدق. وهذا يعني أن المغرب لا يدير فقط حركة مواطنيه نحو أوروبا. بل يتحمل أيضاً جزءاً من ضغط مسار هجرة أفريقي أوسع. لذلك لا يمكن بناء العلاقة على منطق واحد يقوم على انتظار أن يمتص المغرب بشكل دائم ضغط الهجرة نيابة عن أوروبا.

سبتة تتحول إلى مختبر لاعتماد أوروبا على المغرب

أظهرت الأزمة الحالية لأوروبا سيناريوهين مختلفين. عندما تنجح المراقبة الوقائية قبل الحدود، يتم احتواء جزء كبير من الضغط قبل وصوله إلى الأراضي الخاضعة للإدارة الأوروبية. وعندما تفشل، تواجه إسبانيا سلسلة فورية من التبعات: إيواء طارئ؛ ضغط على المحاكم؛ حاجيات صحية؛ قضايا حماية القاصرين؛ طلبات لجوء؛ توتر سياسي؛ ونقاش حول عمليات العودة. ولهذا فإن تشديد المفوضية الأوروبية على ضرورة استمرار التعاون المغربي يحمل دلالة كبيرة. إنه يعكس خلاصة واقعية: لا يمكن استقرار هذه المنطقة من الحدود الخارجية لأوروبا انطلاقاً من الجانب الأوروبي وحده.

بعد أزمة الحدود تبدأ أزمة التدبير

السؤال المركزي تغير إذن. لم يعد فقط: «متى ستقع محاولة العبور المقبلة؟» بل أصبح: كيف ستتعامل إسبانيا مع نتائج عمليات العبور التي وقعت بالفعل؟ يجب تحديد هوية من ما يزالون موجودين. حماية القاصرين. دراسة طلبات اللجوء. تنظيم عمليات العودة عندما يسمح القانون بذلك. إنشاء أماكن للإيواء. تعزيز المحاكم. حماية الفئات الهشة. وفي الوقت نفسه، منع أزمة جديدة من التشكل في الجهة الأخرى من الحدود. وفي هذه النقطة الأخيرة تحديداً، تنظر بروكسل بوضوح إلى المغرب.

ماذا تكشف أزمة سبتة فعلاً؟

الدرس أصبح أكثر واقعية من كونه إيديولوجياً. المراقبة الوقائية للحدود مكلفة، لكن تدبير الأزمة بعد تجاوز الحدود أكثر كلفة وتعقيداً. إسبانيا تعبئ اليوم الجيش للإيواء، وتعزز جهازها القضائي، وتعالج آلاف الملفات الفردية. وفي المقابل، يبقى المغرب الفاعل الأساسي في منع ضغط جماعي جديد قبل وصوله إلى الثغر. وأوروبا بدأت تعبر بشكل أقل غموضاً عن أهمية هذا الدور. سبتة تؤكد إذن حقيقة استراتيجية: على مسار غرب المتوسط، لا تتم حماية الحدود الخارجية لأوروبا من داخل أوروبا وحدها. جزء مهم من استقرارها يبدأ داخل المغرب. ويبقى السؤال الآن هو ما إذا كانت بروكسل ستترجم هذا الاعتراف إلى شراكة أكثر توازناً — مالياً وأمنياً وسياسياً — أم ستكتفي بانتظار أن يواصل المغرب امتصاص الضغط جنوباً إلى أجل غير محدد.

هل أعجبك هذا المقال؟
حجم الخط 100%

مقالات ذات صلة

تأشيرات الهجرة الأمريكية: المغاربة لم يعودوا مستهدفين بشكل خاص… لكن واشنطن أوقفت المواعيد مؤقتاً في جميع أنحاء العالم
مميز العالم

خلال أيام قليلة فقط، انتقلت الأسر المغربية المعنية بالهجرة إلى الولايات المتحدة من خبر إيجابي إلى وضع جديد من الانتظار و…

3 دقيقة للقراءة 💬 0

💬 التعليقات (0)

💬

لا توجد تعليقات. كن أول من يعلق!

✏️ اكتب تعليقك

لن يُنشر
0/1000