استعادت سبتة هدوءها الظاهري، لكن خلف هذا الهدوء تدخل الأزمة مرحلة أكثر تعقيداً.
بعد نحو أسبوعين من موجات العبور الجماعي في نهاية شهر يوليوز، لم يعد الملف مقتصراً على ضبط الحدود، بل انتقل إلى مراكز الإيواء، والمحاكم، والعائلات التي لا تزال تبحث عن أقاربها، وشبكات التواصل الاجتماعي التي بدأت تتداول من جديد دعوات مرتبطة بمحاولة عبور محتملة يوم 15 غشت.
وفي قلب هذه المرحلة الجديدة يبرز ملف شديد الحساسية: القاصرون المغاربة الذين ما زالوا داخل سبتة.
القاصرون يتحولون إلى أولوية
تشير المعطيات الإسبانية إلى وجود أكثر من 1,500 قاصر وصلوا مؤخراً إلى سبتة، في وقت بدأت فيه مدريد والحزب الشعبي يتقاربان حول أولوية واضحة: إعادة هؤلاء القاصرين إلى أسرهم في المغرب متى سمحت الشروط القانونية بذلك.
وقد أعلنت الرباط بالفعل استعدادها للتعاون في هذا الملف.
وهذا الموقف يحمل أهمية سياسية وقانونية كبيرة، لأنه يفصل بوضوح بين الإرادة المغربية وبين القيود التي يفرضها القانون الإسباني.
فإعادة القاصر لا يمكن أن تتم بشكل جماعي أو تلقائي، بل تستوجب دراسة كل حالة على حدة، والتحقق من الهوية، والوضع الأسري، ومدى توافق العودة مع المصلحة الفضلى للطفل.
كما أن تجربة سنة 2021 لا تزال حاضرة بقوة، بعدما اعتبرت العدالة الإسبانية أن بعض عمليات إعادة القاصرين آنذاك لم تحترم الضمانات القانونية المطلوبة.
وبالتالي، فإن بطء الإجراءات الحالية لا يمكن تقديمه على أنه رفض مغربي لاستعادة هؤلاء القاصرين.
المغرب أعلن استعداده للتعاون، ويبقى على إسبانيا تطبيق قانونها الداخلي واستكمال المساطر اللازمة.
كم بقي فعلاً داخل سبتة؟
السؤال الثاني الذي ما زال من دون جواب دقيق يتعلق بعدد الأشخاص الذين لا يزالون داخل الجيب.
فبينما سبق لمدريد أن تحدثت عن نحو 2,000 شخص، قدمت السلطات المحلية في سبتة تقديرات أعلى بكثير، تراوحت في بعض التصريحات بين 8,000 و11,000 شخص.
هذا الفارق الكبير يكشف إحدى مشكلات ما بعد الأزمة: لا توجد إلى الآن صورة دقيقة وموحدة عن عدد من بقوا في المدينة.
بعض المهاجرين يوجدون داخل مراكز استقبال رسمية، فيما يعيش آخرون في مناطق صناعية، أو أماكن عامة، أو مخيمات مؤقتة، بعيداً عن المسارات الإدارية الرسمية.
وقد بدأت بعض الأسر في سبتة في إيواء قاصرين ليلاً لحمايتهم من المخاطر، في مشهد يعكس استمرار البعد الإنساني للأزمة رغم عودة الهدوء إلى الحدود.
فالذين بقوا في سبتة لم يصلوا إلى إسبانيا القارية، ولم يعودوا بعد إلى المغرب.
إنهم عالقون بين ضفتين.
المغرب ينتقل إلى الرد القضائي
من الجانب المغربي، بدأت مرحلة جديدة من التعامل مع الأزمة: المتابعات القضائية.
فقد صدرت أحكام في حق سبعة سائقي سيارات أجرة في إحدى أولى القضايا المرتبطة مباشرة بأحداث سبتة، بعدما اعتبرت المحكمة أن نقل مرشحين للهجرة نحو منطقة الفنيدق تم في ظروف تدخل ضمن تسهيل الهجرة غير النظامية.
كما تشير تقارير صحفية إلى متابعة أو وضع أكثر من مائة شخص رهن الاعتقال الاحتياطي في ملفات مرتبطة بالأحداث.
وتطعن نقابات مهنية في بعض هذه الأحكام، غير أن هذا التطور يكشف أن السلطات المغربية لم تعد تكتفي بالرد الأمني على الحدود.
بل بدأت تبحث في الشبكات والآليات التي ساهمت في تحريك الأفراد نحو المنطقة: وسائل النقل، الوسطاء المحتملون، المنظمون، والحسابات التي نشرت الدعوات الرقمية.
وهذه النقطة بالغة الأهمية بالنسبة إلى المغرب.
ففي مواجهة اتهامات تقول إن الدولة تعمدت ترك الوضع ينفلت، فإن فتح التحقيقات والمتابعات القضائية يشكل رداً عملياً على من يحاول تحويل الشكوك إلى حقائق سياسية.
15 غشت… موعد جديد تحت المراقبة
لكن الملف قد يعرف تطوراً جديداً خلال الأيام المقبلة.
فقد بدأت رسائل جديدة تنتشر على فيسبوك وواتساب ومنصات أخرى، تتحدث عن محاولة جماعية محتملة للعبور يوم 15 غشت.
ولا يوجد حتى الآن ما يسمح بالجزم بأن هذه الدعوات ستتحول فعلاً إلى تعبئة ميدانية.
لكن تجاهلها سيكون خطأ.
فالأزمة الأولى أظهرت أن شائعة أو معلومة منتشرة على نطاق واسع يمكن أن تدفع خلال ساعات عشرات الآلاف إلى التوجه نحو الحدود.
ولهذا، فإن الهدوء الحالي لا ينبغي اعتباره نهائياً.
بالنسبة إلى السلطات المغربية، تبدو الأولوية واضحة: مراقبة الفضاء الرقمي، تحديد الجهات التي تطلق الدعوات، ومنع أي تجمعات جديدة في محيط الفنيدق وبليونش وباب سبتة.
لأن الأزمة المقبلة، إن وقعت، قد لا تبدأ عند السياج الحدودي.
قد تبدأ من شاشة هاتف.
الصراع السياسي داخل إسبانيا مستمر
داخل إسبانيا، ما زالت سبتة ورقة مركزية في المواجهة السياسية.
في الأيام الأولى للأزمة، وجهت بعض الأطراف انتقادات مباشرة إلى الرباط.
أما اليوم، فقد انتقل جزء كبير من النقاش نحو أداء الحكومة الإسبانية نفسها: إدارة ملف القاصرين، توزيعهم على الأقاليم، القدرة على الاستجابة الإنسانية، ومدى استعداد مدريد لمواجهة أزمة بهذا الحجم.
كما أن تقارب الحكومة الإسبانية والحزب الشعبي حول أولوية إعادة القاصرين إلى أسرهم في المغرب يعكس انتقال النقاش من الاتهامات إلى البحث عن حلول عملية.
وهذا التطور يخدم موقف الرباط.
فكلما تحول الملف من المزايدات السياسية إلى آليات التعاون الميداني والقانوني، أصبح من الأسهل التمييز بين مسؤوليات المغرب وبين المشكلات الداخلية الإسبانية.
الحصيلة الإنسانية ترتفع
يبقى الجانب الإنساني هو الأكثر مأساوية في هذا الملف.
فقد تحدث تقرير حديث لصحيفة The Guardian عن ما لا يقل عن 141 وفاة، وهو رقم يفوق الحصائل الرسمية السابقة.
ولا يزال من الضروري التعامل مع هذا الرقم بحذر ما لم يصدر بشأنه تأكيد رسمي موحد ونهائي.
لكن حجم المأساة لم يعد محل شك.
ومن بين الحالات التي سلطت الصحافة الضوء عليها قصة لاعبة كرة قدم مغربية شابة تبلغ من العمر 26 عاماً، توفيت غرقاً في اليوم نفسه الذي تمت فيه الموافقة، بحسب الصحيفة، على تأشيرتها للسفر إلى إسبانيا.
هذه القصة تلخص جانباً قاسياً من الأزمة.
فخلف الأرقام توجد قرارات شخصية، وأحلام، وإحباطات، وشائعات دفعت بعض الشباب إلى المخاطرة بحياتهم في لحظة اندفاع قد تكون قاتلة.
تحليل MMNEWS: الدفاع عن المغرب بالوقائع
بعد نحو أسبوعين من اندلاع الأزمة، يبدو موقف المغرب أكثر تماسكاً مما كان عليه في الساعات الأولى.
فالمملكة أعادت تشديد المراقبة.
وتعاونت في عمليات العودة.
وأعلنت استعدادها للعمل مع إسبانيا بشأن القاصرين.
وشرعت في متابعة عدد من الأشخاص الذين يُشتبه في مساهمتهم في تسهيل التحركات غير النظامية.
وفي المقابل، لا توجد إلى اليوم أدلة علنية حاسمة تثبت أن الدولة المغربية أصدرت تعليمات لتنظيم موجة العبور.
وهذا لا يعني أن الأسئلة يجب أن تتوقف.
من حق الرأي العام أن يعرف كيف تشكلت تلك التعبئة بهذه السرعة، ومن أطلق أولى الدعوات، وما الثغرات التي سمحت بتجمع هذا العدد الهائل من الأشخاص.
لكن الدفاع عن مصالح المملكة لا يكون بنفي الأسئلة.
بل بالتمييز بين السؤال والاتهام.
وبين الفرضية والدليل.
وبين الجدل السياسي والوقائع المثبتة.
ولهذا، فإن أفضل استراتيجية للرباط هي الاستمرار في توثيق عملياتها، ونشر المعطيات، والكشف عن الشبكات التي يجري التحقيق معها، وتوضيح طبيعة التعاون مع الجانب الإسباني.
كلما كانت الوقائع أكثر وضوحاً، أصبح من الصعب اختزال أزمة معقدة في رواية سياسية واحدة تستهدف المغرب.
أزمة تكشف أيضاً هشاشة المنظومة الأوروبية
أحداث سبتة أعادت التذكير بحقيقة جيوسياسية أساسية.
يمكن لأوروبا أن ترفع الأسوار، وتضاعف الحواجز، وتعزز الدوريات.
لكن استقرار حدودها الجنوبية يبقى مرتبطاً بشكل مباشر بالتعاون مع المغرب.
ولا يعني ذلك أن المملكة مطالبة بتحمل العبء وحدها.
فالمغرب يعبئ قواته، وموارده، وبنياته الأمنية، ويواجه شبكات التهريب، ويتحمل كلفة سياسية واجتماعية كبيرة مقابل حماية فضاء لا يخصه وحده.
ولهذا، من المشروع أن يطالب بشراكة أكثر توازناً تقوم على التنقل القانوني، والاستثمار، والتكوين، والتنمية، والتعاون القضائي، ومحاربة الشبكات الإجرامية.
المغرب يمكن أن يكون شريكاً أساسياً في أمن أوروبا، لكنه لا يجب أن يتحول إلى متعهد دائم لحراسة حدودها.
لم تعد أزمة سبتة هي تلك المشاهد الصاخبة لعشرات الآلاف وهم يتجهون إلى الحدود.
لقد أصبحت أزمة أكثر هدوءاً، لكنها أكثر تعقيداً.
هي موجودة في مراكز استقبال القاصرين.
وفي المخيمات التي ما زالت قائمة داخل سبتة.
وفي المحاكم المغربية.
وفي مجموعات واتساب التي تتداول تاريخ 15 غشت.
وفي النقاش السياسي الإسباني حول المسؤوليات.
الأيام المقبلة ستكون حاسمة.
إذا مر يوم 15 غشت من دون موجة جديدة، فقد تدخل الأزمة فعلاً مرحلة التسوية.
أما إذا تحولت الدعوات الرقمية إلى تحرك ميداني جديد، فستثبت سبتة مرة أخرى أن الحدود في العصر الرقمي قد تُختبر برسالة قبل أن تُختبر بحشود.
وفي الحالتين، يبقى الدرس واضحاً:
على المغرب أن يواصل التحرك بحزم وشفافية ومسؤولية، ليس فقط لحماية حدوده، بل أيضاً لتذكير شركائه بأن استقرار غرب البحر الأبيض المتوسط يُبنى مع المملكة، وليس بعيداً عنها.
💬 التعليقات (0)
لا توجد تعليقات. كن أول من يعلق!
✏️ اكتب تعليقك