في سبتة، اختفت مشاهد الحشود، لكن الأزمة لم تنته بعد.
فالحدود أصبحت تحت السيطرة بشكل عام، ولم تُسجل أي موجة جديدة مماثلة لما حدث في نهاية شهر يوليوز. وقد عاد أغلب الأشخاص الذين دخلوا المدينة إلى المغرب، غير أن عدة آلاف ما زالوا، وفق تقديرات متباينة، داخل سبتة.
في الشوارع ومراكز الإيواء والمناطق المحيطة بالمدينة، تغيرت طبيعة الأزمة. لم يعد السؤال فقط هو كيفية منع عبور جديد، بل كيفية التعامل مع من بقي داخل الجيب.
وفي قلب هذه المرحلة الجديدة يوجد ملف القاصرين غير المصحوبين.
أكثر من 1,300 قاصر في صلب الأزمة
وفق الأرقام التي أعلنتها السلطات الإسبانية، تم تسجيل 1,342 قاصراً في سبتة.
وترغب مدريد في نقل جزء منهم إلى أقاليم إسبانية أخرى لتخفيف الضغط عن المدينة، التي تجاوزت قدراتها العادية على الاستقبال.
لكن هذه الخطة تثير خلافات واضحة داخل إسبانيا.
فقد اعترضت عدة أقاليم على آلية التوزيع، مطالبة بإعطاء الأولوية للمّ الشمل الأسري أو لإعادة القاصرين إلى المغرب عندما تسمح الظروف القانونية بذلك.
وهنا تبرز أهمية الموقف المغربي.
فالمملكة أعلنت رسمياً استعدادها للتعاون في عودة القاصرين المغاربة، في إطار احترام الإجراءات القانونية والمصلحة الفضلى للطفل.
وهذا يوضح نقطة أساسية:
المغرب لا يعارض عودتهم.
أما الصعوبات الحالية، فتتعلق إلى حد كبير بالإجراءات الإسبانية التي تفرض دراسة كل حالة بشكل فردي، وتمنع عمليات الإرجاع الجماعي من دون ضمانات قانونية.
مدريد تواجه انقساماتها الداخلية
وهكذا تحولت أزمة سبتة تدريجياً إلى أزمة سياسية داخلية في إسبانيا.
الحكومة المركزية تطلب من الأقاليم المشاركة في استقبال القاصرين.
بعض الحكومات الجهوية ترفض.
النيابة العامة تذكر بواجبات حماية الطفولة.
والمعارضة تتهم بيدرو سانشيز بفقدان السيطرة على الحدود.
هذا التحول مهم.
في بداية الأزمة، ركز بعض المسؤولين الإسبان انتقاداتهم على الرباط.
أما اليوم، فأصبحت المشاكل الأكثر وضوحاً مرتبطة بقدرة إسبانيا نفسها على تنظيم الاستقبال والتوزيع والعودة القانونية للأشخاص الذين ما زالوا في سبتة.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن أفضل موقف هو الحفاظ على نهج ثابت: التعاون في كل ما يدخل ضمن مسؤولياته، مع رفض تحويله إلى مسؤول تلقائي عن الخلافات والإخفاقات الداخلية الإسبانية.
كم عدد الأشخاص الذين ما زالوا داخل سبتة؟
لا يزال العدد الحقيقي للأشخاص الذين بقوا في المدينة غير واضح.
فقد تحدثت مدريد عن نحو 2,000 شخص بعد عودة ما يقارب 70 ألفاً.
لكن مسؤولين محليين في سبتة قدموا تقديرات أعلى بكثير، تراوحت في بعض التصريحات بين 3,000 و6,000 شخص، وربما أكثر.
وتعكس هذه الفوارق صعوبة الحصول على رقم دقيق.
فبعض المهاجرين يوجدون داخل مراكز رسمية.
بينما يعيش آخرون في مخيمات عشوائية أو خارج المسارات الإدارية.
ولهذا تواصل المنظمات الإنسانية توزيع الغذاء والملابس وتقديم المساعدة، في وقت تحاول فيه المدينة العودة تدريجياً إلى وضعها الطبيعي.
خطر موعد جديد على شبكات التواصل
الملف الأمني لم يُغلق بالكامل أيضاً.
فقد ظهرت دعوات جديدة على واتساب وفيسبوك ومنصات أخرى تتحدث عن محاولة جماعية محتملة للعبور يوم 15 غشت.
ولا يمكن، في الوقت الحالي، معرفة ما إذا كانت هذه الرسائل ستتحول إلى تحرك فعلي.
لكن وجودها بحد ذاته يجب أن يؤخذ بجدية.
فالموجة الأولى أثبتت أن شائعة رقمية يمكن أن تدفع عشرات الآلاف إلى التوجه نحو الحدود خلال ساعات قليلة.
ولهذا سيكون من الخطأ اعتبار الهدوء الحالي نهائياً.
بالنسبة إلى السلطات المغربية، تتمثل الأولوية في تحديد الحسابات التي تقف وراء هذه الدعوات، ومحاربة التضليل، ومنع أي تجمعات جديدة في محيط الفنيدق وباب سبتة.
المغرب شريك أساسي… وليس حارساً لأوروبا
هذه الأزمة أعادت أيضاً التأكيد على حقيقة استراتيجية.
عندما تعمل المنظومة المغربية للرقابة بكامل طاقتها، يبقى الضغط على سبتة محدوداً.
وعندما تتعرض هذه المنظومة للضغط، ولو لفترة قصيرة، تظهر النتائج فوراً على الجانب الأوروبي.
لكن هذا لا يعني أن المغرب مطالب بتحمل مسؤولية الحدود الجنوبية لأوروبا بمفرده.
بل العكس.
فالمملكة تقوم أصلاً بعمل كبير في مراقبة السواحل، ومحاربة الشبكات الإجرامية، ومنع الانطلاقات، والتعاون الأمني.
ويجب أن يُعترف بهذه المساهمة ضمن شراكة متوازنة.
لا يمكن لأوروبا أن تتعامل مع المغرب باعتباره مجرد جهة مكلفة بمنع المرشحين للهجرة من الوصول إلى حدودها.
بل يجب أن يشمل التعاون مسارات قانونية للتنقل، والاستثمار، والتكوين، وخلق فرص العمل، وتنمية المناطق المعنية.
الأزمة تغير موقعها
يدخل ملف سبتة اليوم مرحلة جديدة.
المرحلة الأولى كانت أمنية.
والثانية أصبحت إنسانية وسياسية.
وقد تظهر مرحلة ثالثة ذات طابع رقمي إذا تحولت دعوات 15 غشت إلى تعبئة حقيقية.
بالنسبة إلى الرباط، الأولوية واضحة: الحفاظ على السيطرة، والتعاون في ملف القاصرين، وتوثيق كل خطوة بدقة.
وهذا النهج يخدم مصالح المملكة أكثر من المواقف المتسرعة.
فالوقائع الحالية تصب في صالح المغرب:
ساهم في عودة الهدوء؛
وتعاون في عمليات العودة؛
وأعلن استعداده للعمل على ملف القاصرين؛
ولا توجد أدلة علنية تثبت أنه نظم موجة العبور الأولى.
أما إسبانيا وأوروبا، فعليهما الآن تحمل نصيبهما من المسؤولية.
استعادت سبتة هدوءها.
لكن خلف الحواجز، لم تُحل الأزمة بعد.
قاصرون ينتظرون قراراً.
آلاف الأشخاص ما زالوا داخل المدينة.
مدريد تواجه انقساماتها الداخلية.
ودعوات جديدة للعبور بدأت بالفعل تنتشر على الشبكات الاجتماعية.
ولهذا قد لا تدور المعركة المقبلة فقط عند الحدود.
بل أيضاً على الهواتف، وفي المحاكم الإسبانية، وفي المفاوضات بين الرباط وشركائها الأوروبيين.
ومع ذلك، أصبحت حقيقة واحدة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى:
استقرار هذه الحدود يعتمد على تعاون دائم مع المغرب، لكن هذا التعاون لا يمكن أن ينجح إلا في إطار الاحترام المتبادل وتقاسم المسؤوليات.
💬 التعليقات (0)
لا توجد تعليقات. كن أول من يعلق!
✏️ اكتب تعليقك