Panorama Featured

فاطمة الزهراء المنصوري: من تدبير مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

• • 5 min read • 👁 55 views • 💬 0 comment(s)
AR EN
فاطمة الزهراء المنصوري: من تدبير مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

دخلت الصورة الرسمية تاريخ السياسة المغربية. في القصر الملكي بالرباط، استقبل صاحب الجلالة الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري يوم 29 شتنبر، وعينها، بمقتضى الفصل 47 من الدستور، رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الجهاز التنفيذي الجديد.

لأول مرة، تتولى امرأة رئاسة الحكومة في المملكة.

غير أن المنصوري ليست اسماً ظهر فجأة بفعل نتائج الانتخابات أو شخصية اختيرت لقيمتها الرمزية وحدها. ففي سن الخمسين، راكمت ما يقارب عقدين من العمل داخل المؤسسات: المحاماة، ومجلس مدينة مراكش، والبرلمان، وقيادة حزب الأصالة والمعاصرة، ثم وزارة تشرف على السكن والتعمير وإعداد التراب الوطني.

مسارها يعكس تحولاً تدريجياً وتفاوضياً داخل الحياة العامة المغربية. لكنه يطرح سؤالاً أبعد من شخصها: هل يؤدي اختراق امرأة لأعلى سقف حكومي إلى توسيع الفرص أمام النساء وتحسين علاقة المواطن بالدولة؟

مراكش، المدرسة الأولى للسلطة

وُلدت فاطمة الزهراء المنصوري في 3 يناير 1976 بمدينة مراكش، وسط أسرة تعرف دواليب الإدارة والعمل العام. شغل والدها عبد الرحمن المنصوري مسؤوليات إدارية ودبلوماسية، من بينها باشا مدينة مراكش وسفير المغرب لدى دولة الإمارات العربية المتحدة.

أتاح لها هذا المحيط معرفة مبكرة بلغة الدولة ومؤسساتها. وهو أيضاً أساس الانتقاد الذي يقدمه خصومها باعتبارها من أبناء النخبة التقليدية. لذلك رافقت مسيرتها قراءتان: رأسمال اجتماعي موروث من جهة، وشرعية انتخابية وتدبيرية بنتها مع مرور السنوات من جهة أخرى.

درست القانون الخاص بجامعة محمد الخامس في الرباط، ثم تابعت دراساتها العليا في قانون عقود الأعمال بجامعة مونبلييه. وتشير سيرتها المهنية إلى تلقيها تكويناً في قانون الأعمال الأنجلوسكسوني في نيويورك.

انضمت إلى هيئة المحامين بمراكش سنة 2005، واشتغلت خصوصاً في القضايا العقارية. ولم يكن القانون مجرد محطة أولى في سيرتها؛ فقد أسهم في تشكيل أسلوب سياسي يعتمد النصوص والإجراءات والتفاوض أكثر من اعتماده الخطابات الصاخبة.

ساهمت سنة 2008 في تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة. وبعد عام واحد، انتُخبت في سن الثالثة والثلاثين رئيسة للمجلس الجماعي لمراكش، لتصبح أول امرأة تقود المدينة وإحدى أصغر المسؤولين الجماعيين سناً في المغرب.

لم تكن مراكش موقعاً شرفياً، بل مدرسة سياسية صعبة: مدينة سياحية عالمية، ومدينة عتيقة ذات حساسية تراثية، وحاضرة تتوسع بسرعة، وسوق عقارية تتقاطع فيها مصالح اقتصادية كبيرة. استمر عهدها الأول من 2009 إلى 2015، ودخلت البرلمان سنة 2011، ثم عادت إلى رئاسة مجلس المدينة سنة 2021.

أكدت هذه العودة أن مسارها لم يُبنَ بالتعيينات وحدها، بل مر أيضاً عبر الانتخابات وتشكيل الأغلبيات المحلية.

صعود هادئ داخل الحزب والدولة

تولت المنصوري رئاسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة ابتداءً من 2016، ثم أصبحت في فبراير 2024 منسقة القيادة الجماعية للحزب. وكان من الممكن لصيغة القيادة المشتركة أن تضعف حضورها، لكنها كشفت قدرتها على إدارة التوازنات بين الأجيال والطموحات والتيارات المختلفة.

خطابها العام محسوب ونبرتها غالباً هادئة. وقد يرى البعض في ذلك حذراً زائداً، بينما يمكن أن يكون التفاوض الهادئ ميزة في نظام حزبي يحتاج فيه تشكيل الأغلبية إلى بناء التوافقات أكثر من استعراض الزعامة.

بين أكتوبر 2021 وتعيينها على رأس الحكومة، تولت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. ويبدو هذا القطاع تقنياً، لكنه يمس سؤالاً سياسياً واجتماعياً أساسياً: أين يسكن المغاربة، وبأي كلفة، وبأي قدر من الإنصاف بين المدن الكبرى والمدن المتوسطة والعالم القروي؟

أشرفت وزارتها على برنامج الدعم المباشر للسكن. وبحلول يونيو 2026، تجاوز عدد المستفيدين، وفق الأرقام الرسمية، 105 آلاف شخص من أصل 218 ألف طلب. أما الرقم الأكثر اتصالاً بقراء MMNEWS فهو أن مغاربة العالم شكلوا 24 في المائة من المستفيدين.

كما شاركت الوزارة في ورش إعادة بناء المساكن المتضررة من زلزال الحوز. وفي 10 نونبر 2025، أعلنت المنصوري إعادة بناء 53 ألفاً و648 مسكناً. وقد كان ذلك مجهوداً جماعياً للدولة والسلطات الترابية، لكنه شكّل أحد أكبر اختبارات قدرتها على التنفيذ الحكومي.

لا تلغي هذه الأرقام استمرار مشكلات السكن غير اللائق، والتفاوت المجالي، وصعوبة الولوج إلى السكن، وبطء بعض المساطر. لكنها تعني أن المنصوري تصل إلى رئاسة الحكومة بعد احتكاك مباشر بالميزانيات والتنفيذ والفارق بين الإعلان السياسي والنتيجة الملموسة.

سابقة تاريخية وليست نهاية الطريق

يكسر تعيين المنصوري حاجزاً واضحاً. فقد شغلت المغربيات مناصب وزارية وبرلمانية ودبلوماسية وترابية واقتصادية، لكن رئاسة الحكومة بقيت حتى الآن حكراً على الرجال.

إن وصول امرأة إلى هذا المنصب يوسع أفق الممكن أمام الفتيات المغربيات. لكنه لا يغير، بصورة آلية، الظروف البنيوية التي تواجهها ملايين النساء.

ستُختبر رئيسة الحكومة الجديدة في المشاركة الاقتصادية للنساء، والعدالة المجالية، والتعليم، والصحة، وتشغيل الشباب، والقدرة الشرائية والسكن. كما سيكون عليها قيادة الاستعدادات لكأس العالم 2030 من دون أن تطغى مشاريع البنية التحتية على الأولويات الاجتماعية.

لن يصبح تعيينها تحولاً عميقاً إلا إذا توسعت مشاركة النساء في مواقع القرار إلى ما هو أبعد من مسارات استثنائية محدودة. لم يعد السؤال هل تستطيع امرأة بلوغ القمة؛ بل هل سيجعل وجودها في القمة الطريق أقل ضيقاً أمام من سيأتين بعدها؟

ماذا يعني تعيينها لمغاربة العالم؟

يحمل مسار المنصوري دلالة خاصة للجالية. فقد توزع تكوينها بين المغرب وفرنسا والولايات المتحدة، كما أشرفت في وزارتها السابقة على ملفات السكن والعقار والتعمير، وهي مجالات تحدد جانباً مهماً من علاقة المهاجر المغربي ببلده الأصلي.

هذه الخلفية لا تشكل في حد ذاتها برنامجاً للجالية، لكنها تخلق انتظارات مشروعة.

سينظر مغاربة العالم إلى ما ستنجزه حكومتها في التمثيل السياسي، وحماية الممتلكات والاستثمارات، وتبسيط المساطر، ورقمنة الخدمات القنصلية، وتنقل الكفاءات، ونقل الثقافة واللغة إلى الأجيال الجديدة، ومواكبة العودة إلى المغرب.

وسيكون عليها تجاوز النظرة التي تختزل الجالية في التحويلات المالية أو الاستثمار. فمغاربة العالم جماعة سياسية وثقافية وإنسانية، تحمل خبرات مهنية وتجارب ديمقراطية وشبكات اقتصادية وارتباطاً عاطفياً ووطنياً بالمملكة.

قد يساعدها تكوينها الدولي على فهم هذه التعددية، لكنه لا يضمن ذلك. المقياس الحقيقي سيكون مكانة الجالية داخل البرنامج الحكومي وآليات التشاور وصناعة القرار.

من قوة الرمز إلى سلطة الإنجاز

تدخل المنصوري رئاسة الحكومة وفي رصيدها تكوين قانوني، وتجربة انتخابية محلية، ومعرفة بالبرلمان، وخمس سنوات من العمل الوزاري، وقيادة الحزب المتصدر للانتخابات.

لكنها ترث معادلة معقدة. فحزب الأصالة والمعاصرة يملك 97 مقعداً فقط، بعيداً عن الأغلبية المطلقة المحددة في 198. لذلك سيكون عليها تشكيل تحالف، والتوفيق بين شركاء مختلفين، ومنح العمل الحكومي انسجاماً مقنعاً، في مجتمع تعكس المشاركة الانتخابية المحدودة داخله هشاشة الثقة في السياسة المؤسساتية.

كما ستستمر الأسئلة بشأن علاقتها بالنخب واستقلالية القرار الحكومي. وسيضعها جنسها أمام مطالب متناقضة: سيُطلب منها الدفاع عن تقدم النساء، بينما قد يحاول البعض اختزال ولايتها كلها في كونها امرأة.

ينبغي تقييمها بوصفها مسؤولة سياسية، من دون التقليل من القيمة التاريخية لوصولها.

فالمرأة المكلفة اليوم بتشكيل الحكومة ليست اسماً مجهولاً ولا رمزاً بروتوكولياً. إنها محامية أصبحت عمدة، ومنتخبة أصبحت وزيرة، ومفاوضة حزبية أصبحت مسؤولة عن بناء الجهاز التنفيذي.

في 29 شتنبر 2026، فُتح باب جديد في السياسة المغربية. سيسجل التاريخ أنها كانت أول من عبره. أما المغاربة داخل الوطن وخارجه، فسيراقبون الآن ما ستفعله في الجهة الأخرى من ذلك الباب.

Did you find this article helpful?
Text size 100%

↗ Related articles

💬 Comments (0)

💬

No comments yet. Be the first!

✏️ Leave a comment

Not published
0/1000