حين تتحول المسافة إلى مصدر هشاشة
بالنسبة إلى كثير من مغاربة العالم، لا تمثل الأرض الموروثة مجرد قيمة مالية. إنها ذاكرة الأسرة، وتعب الآباء، ورابطة ملموسة بالمغرب. غير أن البعد الجغرافي قد يحول هذا الإرث إلى مصدر قلق: حدود متنازع عليها، أو ممر يُفتح من دون اتفاق، أو استغلال للعقار، أو بناء يبدأ أثناء غياب بعض الورثة، ثم انتظار طويل لرد الإدارة.
الملف الذي توصلت به MMNEWS يندرج ضمن هذا السياق. واحتراماً للحياة الخاصة وحقوق جميع الأطراف، قررت هيئة التحرير حجب الأسماء وأرقام وثائق الهوية وأرقام الهاتف والمراجع العقارية الكاملة الواردة في المستندات.
يقدم صاحب الشكاية نفسه بصفته شريكاً في الملك عن طريق الإرث في عقار عائلي يقع داخل النفوذ الترابي لأولاد ستوت بإقليم الناظور. ويقول إن شخصاً آخر يستعمل ممراً داخل القطعة المشتركة وشرع في البناء من دون موافقة بقية أصحاب الحقوق. وبما أن أصل الملك وحدوده محل نزاع، فإن MMNEWS لا تحسم في هوية المالك القانوني ولا في نطاق الحقوق؛ فذلك من اختصاص الإدارة أو القضاء بناء على وثائق قابلة للاحتجاج.
ماذا تثبت الوثائق؟
الوثيقة الأولى شكاية إدارية موجهة إلى قائد قيادة أولاد ستوت، تحمل خاتم تسجيل بتاريخ 24 غشت 2026. ويتعلق موضوعها بإحداث واستعمال ممر داخل قطعة أرضية وُصفت بأنها مشتركة ومتنازع بشأنها، من دون موافقة باقي أصحاب الحقوق. ويلتمس صاحبها إجراء معاينة ميدانية والتحقق من طبيعة الاستغلال واتخاذ التدابير القانونية التي تمنع أي تغيير قد يمس الحقوق القائمة.
أما الوثيقة الثانية، المؤرخة في 15 شتنبر 2026، فهي محضر معاينة ميدانية أنجزه مفوض قضائي يعمل ضمن دائرة محكمة الاستئناف بالناظور. ويصف المحضر أشغال بناء جارية على مساحة قُدرت بنحو 100 متر مربع، مع جدران يبلغ علوها التقريبي ثلاثة أمتار، ووضع سقف أو بلاطة، ووجود مواد وأدوات خاصة بالبناء. كما تُظهر الصور التي تلقتها الجريدة فضاءً تُوجد فيه منشأة ومواد بناء.
هذه المعطيات مهمة، لكن يجب ضبط دلالتها القانونية. فمحضر المفوض القضائي يثبت الحالة المادية التي عاينها في تاريخ انتقاله. والنسخة التي توصلت بها MMNEWS لا تتضمن إثباتاً رسمياً لعدم وجود رخصة بناء. كما أن المحضر لا يحسم ملكية المساحة المعنية. أما الشكاية فتسجل رواية المشتكي وطلباته، ولا تعد حكماً قضائياً أو محضر مخالفة تعمير محرراً من طرف الجهة المختصة.
لماذا أصبح تدخل الإدارة مستعجلاً؟
الحذر القانوني لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للانتظار. فعندما تتقدم أشغال على أرض متنازع بشأن استعمالها وحقوقها، قد يصبح إصلاح الضرر أكثر صعوبة مع مرور كل يوم. ويمكن لمعاينة إدارية سريعة أن تجيب عن أسئلة محددة: هل توجد رخصة للبناء؟ باسم من صدرت؟ ما الوثائق العقارية التي استند إليها الطلب؟ وهل تحترم الأشغال التصميم المرخص وحدود العقار وضوابط التعمير؟
يوفر القانون المغربي مسطرة واضحة. فالمادة 64 من القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير، كما جرى تعديله بالقانون رقم 66.12، تعتبر الشروع في بناء من دون رخصة مسبقة، أو مخالفة التصاميم والوثائق المرخصة، مخالفة لقواعد التعمير. وتنص المادة 66 على أن مراقب التعمير يمكنه التدخل تلقائياً، أو بطلب من السلطة الإدارية المحلية أو رئيس المجلس الجماعي أو مدير الوكالة الحضرية، أو بطلب من أي شخص تقدم بشكاية. وإذا ثبتت المخالفة رسمياً بينما الأشغال مستمرة، تجيز المادة 67 إصدار أمر فوري بإيقافها.
لا تطالب MMNEWS بإغلاق ورش قانوني لمجرد وجود ادعاء. المطلوب هو أن تتحقق المؤسسات المختصة من وضعيته بسرعة. فإذا كانت الرخصة موجودة وسليمة، ينبغي إبرازها وإخبار الأطراف رسمياً. وإذا ثبتت مخالفة، وجب تطبيق التدابير القانونية قبل أن يتحول البناء إلى أمر واقع يصعب تداركه.
حق الملكية لا يتوقف عند الحدود
يضمن الفصل 35 من الدستور حق الملكية، ويقر الفصل 21 حق كل شخص في حماية ممتلكاته. أما الفصل 16، فيلزم المملكة بالعمل على حماية الحقوق والمصالح المشروعة للمواطنات والمواطنين المغاربة المقيمين بالخارج.
هذه الضمانات لا تمنح مغاربة العالم امتيازاً خاصاً، بل تؤكد حقهم في المساواة أمام الإدارة والقضاء رغم المسافة. فلا ينبغي للمواطن أن يضطر إلى ركوب الطائرة فقط لكي تُفحص شكاية مسجلة، أو يتم التحقق من رخصة، أو يتلقى جواباً مكتوباً. حماية الممتلكات جزء من الثقة في المؤسسات، ولها أثر مباشر في صلة الأجيال الجديدة بالمغرب وفي العودة والاستثمار ونقل الإرث داخل الأسر.
وتزداد الحساسية في العقارات الموروثة والمشاعة، حيث قد يتقاسم عدد من الورثة الحقوق في قطعة واحدة من دون قسمة نهائية أو تحديد حديث للحدود. هذا التعقيد لا يبرر تغيير وضع العقار بإرادة منفردة، لكنه يفرض على الصحافة أيضاً ألا تحول نزاعاً مدنياً إلى إدانة جنائية. لذلك تصف MMNEWS الأشغال بأنها «متنازع بشأنها»، وتتعامل مع غياب الرخصة باعتباره ادعاء يحتاج إلى تأكيد رسمي.
نداء MMNEWS إلى الجهات المختصة
استناداً إلى الوثائق المتاحة، تدعو MMNEWS السلطة المحلية والجماعة ومصالح مراقبة التعمير والوكالة الحضرية المختصة إلى:
-
إجراء معاينة رسمية للورش وللمساحة العقارية التي يشغلها؛
-
التحقق من وجود أي رخصة بناء ومن سلامتها ونطاقها؛
-
تحرير محضر المخالفة واتخاذ التدابير التحفظية إذا استوجبت الوقائع ذلك؛
-
تمكين صاحب الشكاية من جواب مكتوب يوضح الإجراءات المتخذة؛
-
حماية حقوق جميع الأطراف إلى حين صدور قرار إداري أو قضائي من الجهة المختصة.
كما تفتح الجريدة حق الرد للشخص المعني بالشكوى، وتدعوه إلى تقديم أي رخصة أو رسم أو حكم أو توضيح يفيد في فهم الملف. والدعوة نفسها موجهة إلى الإدارات المعنية، وستنشر MMNEWS ردودها بإنصاف ووضوح.
الدفاع عن مغربي مقيم بالخارج لا يعني إصدار حكم على الطرف الآخر من دون الاستماع إليه. معناه رفض أن يسمح الصمت الإداري بتحول خلاف قابل للحل إلى ضرر مادي دائم.
من حالة فردية إلى آلية وطنية للحماية
يكشف هذا الملف حاجة أوسع. فمغاربة العالم لا يتوفرون دائماً على مسار واضح للإبلاغ عن خطر مستعجل يهدد عقاراً، وتتبع عملية المراقبة، والحصول على جواب يمكن الرجوع إليه من بلد الإقامة. وسيكون من المفيد إحداث بوابة رقمية موحدة تربط الجماعات والوكالات الحضرية والمحافظة العقارية والمؤسسات المكلفة بمغاربة العالم. ينبغي أن يمنح كل تبليغ رقماً للتتبع، وأجلاً للمعالجة، وخلاصة موثقة.
ستواصل MMNEWS فحص الملفات الجدية، وحماية المعطيات الشخصية، والتمييز بين ما تثبته الوثائق وما يحتاج إلى تحقيق، وطلب رد جميع الأطراف. فالصحافة لا تحل محل القاضي أو القائد أو مراقب التعمير أو المحافظ العقاري، لكنها تذكر بأن وراء كل وثيقة مواطناً ينتظر تطبيق القانون في الوقت المناسب.
في أولاد ستوت، تبدو الأولوية واضحة: المعاينة، والتثبت الرسمي، ثم وقف الأشغال إذا تأكدت المخالفة. فالعدالة ليست فقط تعويض المتضرر بعد سنوات من النزاع؛ إنها أيضاً منع الضرر قبل أن يصبح غير قابل للإصلاح.
💬 Comments (0)
No comments yet. Be the first!
✏️ Leave a comment