هذه الصور ثقيلة ومؤلمة. وهي تفرض، بطبيعتها، فتح تحقيق دقيق ومستقل وشفاف. لكنها لا تكفي وحدها لإصدار حكم نهائي، لأن العدالة مطالبة بإعادة بناء الوقائع كاملة، ثانية بثانية، انطلاقاً من جميع الأدلة المتاحة.
السؤال الأساسي اليوم ليس ما يقوله الغضب على مواقع التواصل، ولا ما تحاول بعض الجهات السياسية استخلاصه بسرعة، بل ما إذا كانت القوة المستعملة ضرورية ومتناسبة، وما إذا تم احترام البروتوكولات الطبية والأمنية أثناء التدخل.
مقطع مصور خطير… لكنه لا يقدم القصة كاملة
تشكل الفيديوهات التي صورها السكان عنصراً محورياً في الملف. فهي توثق جزءاً مهماً من التدخل، وتظهر عبد الرحيم فقير وهو مثبت على الأرض، بينما يشارك أكثر من شخص في التحكم بحركته.
لكن التحقيق القضائي لا يمكن أن يعتمد على زاوية واحدة فقط.
من المنتظر أن يقارن الادعاء العام بين تسجيلات الشهود، وكاميرات أجساد أفراد الشرطة، والمكالمات الواردة إلى أجهزة الطوارئ، والاتصالات اللاسلكية بين العناصر، وتقارير رجال الإسعاف، وشهادات الأشخاص الذين حضروا الواقعة.
هذه المقارنة ضرورية لفهم ما جرى قبل لحظة التثبيت، وما حدث أثناءها، ومتى لاحظ المتدخلون تدهور حالة الرجل.
فالصور قد تكون صادمة، لكنها تحتاج إلى سياق زمني كامل. والعدالة مطالبة بتجنب موقفين متطرفين: تبرئة التدخل تلقائياً بحجة صعوبة العمل الأمني، أو إدانة جميع المتدخلين قبل صدور نتائج الخبرة الطبية والتحقيق القضائي.
التثبيت على البطن في قلب الأسئلة
من أهم النقاط التي يركز عليها النقاش وضعية تثبيت عبد الرحيم فقير على الأرض.
عندما يُثبَّت شخص على بطنه، خصوصاً إذا مورست ضغوط على ظهره أو صدره أو أطرافه، تصبح مراقبة التنفس والوعي مسألة حاسمة. ويزداد الخطر إذا كان الشخص في حالة اضطراب شديد أو يعاني من مشكلة صحية أو تأثير مواد معينة.
في المقاطع المتداولة، يُسمع الرجل وهو يطلب المساعدة، قبل أن يصبح صامتاً وغير متحرك.
ومن هنا، لا يتعلق التحقيق فقط بما إذا كان من حق الشرطة السيطرة عليه، بل أيضاً بكيفية تنفيذ ذلك، ومدة التثبيت، ومقدار الضغط المستعمل، واللحظة التي أدرك فيها المتدخلون أن حالته الصحية تتدهور.
سيكون على الخبرة الطبية تحديد ما إذا كانت وضعية التثبيت قد أسهمت في الوفاة، أو إذا كانت هناك أسباب صحية أو عوامل أخرى شاركت في النتيجة النهائية.
نتائج التشريح تحتاج إلى قراءة علمية لا عاطفية
في مثل هذه القضايا، غالباً ما تنتشر معلومات أولية حول نتائج التشريح قبل صدور التقرير النهائي. لكن أي معطيات أولية لا تعني بالضرورة الوصول إلى سبب مؤكد للوفاة.
قد يحتاج الأطباء الشرعيون إلى تحاليل سمية ونسيجية وفحوص إضافية لمعرفة تأثير عدة عوامل محتملة، من بينها الضغط الجسدي، أو أزمة صحية سابقة، أو حالة اضطراب حاد، أو استعمال مواد مهيجة، أو تأخر الاستجابة الطبية.
ولهذا، يجب التعامل بحذر مع أي استنتاج مبكر.
الحقيقة الطبية لا تُبنى على الانطباع، بل على تقارير علمية متكاملة، تحدد بدقة ما إذا كان التثبيت قد تسبب في الاختناق أو ساهم فيه، أو ما إذا كانت الوفاة نتيجة تداخل عدة أسباب.
وجود فرق الإسعاف يفتح باباً آخر للتحقيق
تظهر الصور كذلك وجود متدخلين صحيين بالقرب من مكان الواقعة، وهو ما يثير أسئلة إضافية.
متى تم تقييم حالة عبد الرحيم فقير طبياً؟ هل كان بإمكان رجال الإسعاف التدخل في وقت أبكر؟ هل تم تنبيه الشرطة إلى وجود خطر على التنفس؟ وكم من الوقت مر بين توقف الرجل عن الاستجابة وبدء محاولات إنعاشه؟
هذه الأسئلة لا تستهدف جهة بعينها، بل تحاول تحديد المسؤوليات بدقة.
فعندما تكون الشرطة أمام شخص في حالة اضطراب شديد، قد تتحول العملية الأمنية بسرعة إلى حالة طوارئ طبية. وفي هذه اللحظة، تصبح السرعة في التنسيق بين عناصر الشرطة والطواقم الصحية مسألة حياة أو موت.
لذلك، لا ينبغي أن يقتصر التحقيق على سلوك رجال الأمن وحدهم، بل يجب أن يشمل كل من كان حاضراً وشارك في إدارة الوضع.
لا يجوز اختزال الضحية في كونه أجنبياً أو في ماضيه
في مثل هذه القضايا، يحاول بعض النقاش العام أحياناً تحويل الانتباه إلى ماضي الضحية، أو حالته النفسية، أو سلوكه قبل وصول الشرطة.
هذه العناصر قد تكون ضرورية لفهم السياق. لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الرئيسي: هل كان استخدام القوة متناسباً؟ وهل تم اتخاذ كل الاحتياطات اللازمة لحماية حياته؟
حتى الشخص المضطرب أو العنيف أو المشتبه في ارتكابه أفعالاً مخالفة يحتفظ بحقوقه الأساسية.
وجود سبب مشروع للتدخل لا يعني أن كل وسيلة مستعملة تصبح تلقائياً مبررة.
وفي المقابل، لا يعني طرح هذه الأسئلة تجاهل صعوبة المواقف التي يواجهها رجال الشرطة. فقد يجد الأمنيون أنفسهم أمام شخص غير متوقع السلوك، وفي ظروف سريعة ومعقدة.
لكن كلما تعلقت القوة المستعملة بحياة إنسان، أصبحت المراقبة والمساءلة أكثر ضرورة.
الشفافية يجب أن تكون ممارسة لا مجرد شعار
في قضية بهذه الحساسية، لا تكفي الوعود السياسية بفتح تحقيق أو احترام القانون.
الشفافية الحقيقية تعني الحفاظ على جميع التسجيلات، وتسليم صور كاميرات الشرطة إلى القضاء، وتحديد هوية كل من شارك في التدخل، وضمان استقلال الخبرة الطبية، وإبقاء عائلة الضحية على اطلاع بالمعلومات المؤكدة.
كما تعني عدم السماح للمؤسسة المعنية بالتحقيق وحدها في سلوك عناصرها، دون رقابة قضائية مستقلة.
الثقة العامة لا تُبنى على التصريحات، بل على جودة الإجراءات.
وعندما تموت شخصية خلال تدخل أمني، يصبح من حق الأسرة والرأي العام معرفة ما وقع بدقة، دون حذف أو تأخير أو انتقائية في عرض الأدلة.
لا للعنف… ولا لاستخدامه لحجب أسئلة القضية
أدت وفاة عبد الرحيم فقير إلى احتجاجات وتجمعات مطالبة بالحقيقة والعدالة. وإذا وقعت أعمال عنف خلال بعض التحركات، فيجب إدانتها بوضوح، لأنها تحرف النقاش عن جوهره وتضر بمطلب الشفافية.
لكن هذه التجاوزات لا يجوز أن تتحول إلى ذريعة لتهميش ظروف الوفاة.
هناك ملفان منفصلان: الأول يتعلق بمسؤولية الأشخاص الذين شاركوا في التدخل، والثاني يتعلق بمسؤولية كل من ارتكب أعمال عنف خلال الاحتجاجات.
الخلط بينهما يضر بالعدالة، ويحول القضية من تحقيق مهني إلى صراع سياسي وإعلامي.
المقارنات الدولية مفهومة… لكن لكل قضية وقائعها
دفعت مشاهد التثبيت الأرضي وطلبات المساعدة البعض إلى مقارنة القضية بحوادث مشابهة عرفتها دول أخرى.
هذه المقارنات مفهومة من الناحية العاطفية، لكنها يجب ألا تتحول إلى أحكام قانونية جاهزة.
لكل ملف معطياته الخاصة، وسياقه الطبي، وتسجيلاته، وقوانينه، ومسؤولياته الفردية.
المطلوب ليس استنساخ أحكام من قضايا سابقة، بل تطبيق المبدأ نفسه: كل استخدام للقوة يجب أن يكون ضرورياً ومتناسباً، وكل وفاة أثناء تدخل رسمي يجب أن تخضع لتحقيق مستقل ودقيق.
قضية تتجاوز حادثة فردية
وفاة عبد الرحيم فقير لا تطرح فقط سؤال المسؤولية الفردية، بل تفتح نقاشاً مؤسساتياً أوسع.
كيف يتم تدريب رجال الشرطة على التعامل مع شخص يعاني من أزمة نفسية أو اضطراب حاد؟ ما هي التقنيات المسموح بها في التثبيت الأرضي؟ متى يجب إيقاف الضغط وتحويل الحالة فوراً إلى الطواقم الطبية؟
كما تطرح القضية أهمية كاميرات أجساد عناصر الأمن.
فهذه الكاميرات لا ينبغي أن تستخدم فقط لتبرئة الشرطة أو اتهامها، بل لتوفير سجل كامل ومحايد للتدخل، شريطة تشغيلها بانتظام، وحفظ التسجيلات، ومنع التلاعب بها.
وتتعلق القضية أيضاً بثقة المهاجرين في المؤسسات.
فعندما يموت شخص من أصول أجنبية أثناء تدخل أمني، تصبح العدالة مطالبة ليس فقط بأن تكون مستقلة، بل بأن تظهر استقلالها بوضوح للرأي العام.
العدالة المنصفة تحمي الضحية والشرطة معاً
التحقيق المستقل ليس موجهاً ضد الشرطة. بل هو وسيلة لحماية الجميع.
إذا أثبتت الأدلة أن العناصر تصرفت وفق القانون والبروتوكولات، فإن التحقيق المهني سيؤكد ذلك ويمنع الاتهامات العشوائية.
أما إذا تبين وجود أخطاء أو تجاوزات أو تأخر في الاستجابة، فإن المحاسبة تصبح ضرورية، ليس فقط إنصافاً للضحية، بل أيضاً لحماية مصداقية المؤسسة الأمنية.
العدالة لا تختار مسبقاً بين الضحية والشرطة. إنها تبحث عن الحقيقة.
الحقيقة يجب أن تكون كاملة بقدر ما كانت الصور مؤلمة
مشاهد عبد الرحيم فقير مثبتاً على الأرض، وهو يطلب المساعدة قبل أن يفقد حركته، تفرض تحقيقاً كاملاً ومستقلاً.
لكنها لا يجب أن تتحول إلى حكم فوري صادر عن مواقع التواصل.
على القضاء أن يحدد ما إذا كانت القوة المستعملة ضرورية، وما إذا كانت وضعية التثبيت قد ساهمت في الوفاة، وهل تم رصد علامات الخطر في الوقت المناسب، وهل تدخلت الطواقم الصحية بالسرعة المطلوبة.
لعائلة عبد الرحيم فقير الحق في معرفة الحقيقة. ولرجال الشرطة الحق في تحقيق عادل وغير متحيز. وللمجتمع الإيطالي الحق في إجابات دقيقة، بعيداً عن الاستغلال السياسي والأحكام المتسرعة.
في الدولة الديمقراطية، لا تُضعف الشفافية جهاز الشرطة، بل تعزز الثقة فيه. وعندما يموت إنسان خلال تدخل أمني، لا يجوز لأي مؤسسة أن تطلب من الرأي العام أن يشيح بنظره.
💬 التعليقات (0)
لا توجد تعليقات. كن أول من يعلق!
✏️ اكتب تعليقك