ويمثل هذا المبلغ ارتفاعاً بنسبة 9.9 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، حين بلغت التحويلات حوالي 55.95 مليار درهم. وبذلك، ارتفعت الأموال المرسلة إلى المغرب بنحو 5.53 مليارات درهم خلال سنة واحدة.
أكثر من 10 مليارات درهم شهرياً في المتوسط
بين يناير ويونيو 2026، أرسل مغاربة العالم إلى المملكة ما معدله أكثر من 10.2 مليارات درهم شهرياً.
ويبرز هذا المتوسط انتظام التحويلات، التي لم تعد تقتصر على العطلة الصيفية أو شهر رمضان أو المناسبات العائلية، بل أصبحت تدفقات مالية مستمرة على مدار السنة.
وتأتي هذه الأموال من ملايين المغاربة المقيمين في أوروبا وأمريكا الشمالية ودول الخليج ومناطق أخرى من العالم.
وخلف هذه الأرقام توجد قصص أسرية واجتماعية متعددة. فالتحويلات تُستخدم لتغطية المصاريف اليومية، والسكن، والدراسة، والعلاج، وتمويل المشاريع العقارية، إلى جانب إنشاء مقاولات صغيرة ومبادرات مدرة للدخل.
أعلى مستوى مسجل خلال النصف الأول من السنة
تُظهر بيانات مكتب الصرف أن المبلغ المسجل حتى نهاية يونيو 2026 يمثل أعلى مستوى لتحويلات مغاربة العالم خلال النصف الأول من السنة في السنوات الأخيرة.
فقد بلغت هذه التحويلات حوالي 48.60 مليار درهم في نهاية يونيو 2022، ثم ارتفعت إلى 55.71 مليار درهم في 2023، قبل أن تصل إلى 57.34 مليار درهم في 2024.
وسجلت التحويلات تراجعاً طفيفاً في النصف الأول من سنة 2025 إلى 55.95 مليار درهم، قبل أن تعود إلى الارتفاع بشكل واضح خلال سنة 2026.
وخلال أربع سنوات، ارتفع حجم التحويلات المسجل بين يناير ويونيو بنحو 12.9 مليار درهم، أي بما يقارب 26.5 في المائة مقارنة بسنة 2022.
انتعاش واضح بعد تراجع محدود في 2025
كان النصف الأول من سنة 2025 قد عرف انخفاضاً محدوداً في تحويلات مغاربة العالم. غير أن النتائج المسجلة في 2026 تؤكد حدوث انتعاش قوي.
وقد يرتبط هذا الارتفاع بعدة عوامل، من بينها تزايد عدد المغاربة المقيمين بالخارج، وتحسن مداخيل بعض أفراد الجالية، وتطور الحلول الرقمية، وتعدد قنوات إرسال الأموال.
كما يمكن تفسيره باستمرار احتياجات الأسر داخل المغرب، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن والصحة والتعليم.
دعم أساسي للأسر المغربية
تمثل الأموال القادمة من الخارج مصدراً مهماً للدخل بالنسبة إلى عدد كبير من الأسر المغربية.
فقد يُستخدم التحويل الشهري لأداء واجب الكراء، أو تمويل دراسة أحد الأبناء، أو شراء الأدوية، أو مساعدة الوالدين والأقارب.
وفي بعض المناطق التي تعرف حضوراً كبيراً لأفراد الجالية، تشكل هذه التحويلات أحد المحركات الأساسية للاستهلاك والنشاط الاقتصادي المحلي.
كما ينعكس أثرها على التجارة، والبناء، والخدمات، والعقار، فضلاً عن مساهمتها في تعزيز ادخار الأسر وتمويل مشاريع صغيرة.
مساهمة مهمة في التوازنات الخارجية للمغرب
تلعب تحويلات مغاربة العالم أيضاً دوراً محورياً في دعم التوازنات المالية والخارجية للمملكة.
فهذه الأموال توفر موارد مهمة من العملة الصعبة، وتساعد على تغطية جزء من تكاليف الاستيراد وتعزيز احتياطي البلاد من النقد الأجنبي.
وبلغت تحويلات مغاربة العالم حتى نهاية يونيو 2026 نحو 61.48 مليار درهم، وهو مبلغ يقترب من 64.90 مليار درهم من مداخيل السفر والسياحة المسجلة خلال الفترة نفسها.
وبجمع تحويلات الجالية ومداخيل السفر، يكون المغرب قد استقبل أكثر من 126 مليار درهم خلال الأشهر الستة الأولى من السنة.
وتبرز هذه المقارنة الوزن الاقتصادي الكبير لمغاربة العالم، سواء من خلال الأموال التي يرسلونها إلى أسرهم أو من خلال إنفاقهم أثناء الإقامة بالمملكة.
البنوك وشركات التكنولوجيا المالية أمام سوق استراتيجية
يدفع نمو التحويلات البنوك ومؤسسات الأداء والمنصات المالية الرقمية إلى الاهتمام المتزايد بهذا السوق.
وأصبح مغاربة العالم يبحثون عن خدمات سريعة وآمنة وشفافة، مع رسوم منخفضة وأسعار صرف واضحة.
كما يرغب المرسل في معرفة التكلفة الإجمالية للعملية والمبلغ الذي سيصل فعلياً إلى المستفيد قبل تأكيد التحويل.
وقد غيرت التطبيقات الرقمية العادات بشكل عميق. فالعملية التي كانت تتطلب في السابق التنقل إلى وكالة مالية أصبحت اليوم تُنجز خلال ثوانٍ عبر الهاتف.
ويفرض هذا التحول على البنوك المغربية تحسين خدماتها، وتبسيط فتح الحسابات، وتقديم تجربة تتلاءم فعلاً مع احتياجات العملاء المقيمين بالخارج.
تكلفة التحويل تظل تحدياً أساسياً
رغم التطور التكنولوجي، ما تزال رسوم التحويل وسعر الصرف من أبرز اهتمامات مغاربة العالم.
وقد تبدو الفوارق في العمولات محدودة عند إجراء عملية واحدة، لكنها تصبح مهمة عندما تتكرر التحويلات شهرياً.
ولهذا، يحتاج أفراد الجالية إلى مقارنة العروض، والتأكد من الرسوم، وسعر الصرف المطبق، والمدة اللازمة لوصول الأموال.
كما يتعين على الشركات والمؤسسات المالية تحسين الشفافية، لأن وضوح التكلفة أصبح معياراً أساسياً لا يقل أهمية عن السرعة.
ومن شأن تخفيض الرسوم أن يسمح للأسر المغربية بالاستفادة من جزء أكبر من الأموال المرسلة، وأن يعزز الأثر الاجتماعي والاقتصادي لهذه التحويلات.
تحويل جزء أكبر من الادخار إلى استثمار
تُخصص نسبة مهمة من تحويلات مغاربة العالم لتغطية النفقات اليومية للأسر، وهو أمر طبيعي وضروري.
لكن المغرب يتوفر أيضاً على فرصة مهمة لتوجيه جزء أكبر من مدخرات الجالية نحو الاستثمار المنتج.
ويرغب عدد من مغاربة العالم في الاستثمار في العقار، والسياحة، والفلاحة، والتكنولوجيا، والخدمات، والمقاولات الصغيرة والمتوسطة.
غير أنهم قد يواجهون صعوبات مرتبطة بالإجراءات الإدارية، ونقص المعلومات، وبعد المسافة، وصعوبة العثور على شركاء موثوقين.
ومن شأن تطوير شبابيك موحدة، وتسريع الرقمنة، وتوفير مواكبة شخصية، أن يساعد المزيد من أفراد الجالية على تحويل مدخراتهم إلى مشاريع مستدامة وموفرة لفرص الشغل.
مؤشر على الثقة والارتباط بالوطن
لا تقتصر دلالة مبلغ 61.48 مليار درهم على الجانب المالي فقط.
فهذه الأموال تعبر أيضاً عن تضامن مغاربة العالم مع أسرهم، وارتباطهم المستمر بالمملكة، ورغبتهم في المساهمة في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي لبلدهم.
ورغم المسافة والضغوط الاقتصادية في بلدان الإقامة، يواصل أفراد الجالية دعم أقاربهم والمشاركة في تنمية مناطقهم الأصلية.
ووراء كل تحويل قصة مختلفة: أب يساعد أبناءه، أو عامل يستعد للعودة، أو أسرة تبني منزلاً، أو مستثمر يطلق مشروعاً في مدينته أو قريته.
نتائج إيجابية خلال 2026 مع بقاء الأرقام مؤقتة
يشير مكتب الصرف إلى أن البيانات المنشورة حتى نهاية يونيو تظل مؤقتة، وقد تخضع للمراجعة عند إعداد الحصيلة السنوية النهائية.
وفي الوقت الحالي، تتوقف آخر المعطيات الرسمية المتاحة عند نهاية شهر يونيو 2026. لذلك، لا يمكن تقديم أرقام دقيقة لشهري يوليوز أو غشت قبل صدور نشرة جديدة عن مكتب الصرف.
ومع ذلك، تظل مؤشرات النصف الأول من السنة إيجابية جداً. وإذا استمر الإيقاع نفسه خلال الأشهر المقبلة، فقد تسجل تحويلات مغاربة العالم مستوى سنوياً مرتفعاً.
بتحقيق 61.48 مليار درهم حتى نهاية يونيو 2026، يؤكد مغاربة العالم مرة أخرى مكانتهم المركزية داخل الاقتصاد الوطني.
وتعكس الزيادة البالغة 9.9 في المائة قوة مساهمتهم، كما تجسد عمق الروابط العائلية والإنسانية التي تجمعهم بالمغرب.
ويبقى التحدي المقبل هو حماية القيمة الحقيقية لهذه التحويلات، وخفض تكاليف إرسال الأموال، وتوفير حلول تساعد أفراد الجالية على تحويل جزء أكبر من مدخراتهم إلى استثمارات مستدامة.
تحويلات مغاربة العالم ليست مجرد تدفقات مالية، بل جسر اقتصادي واجتماعي وإنساني يربط الجالية بأسرها وبوطنها.
💬 التعليقات (0)
لا توجد تعليقات. كن أول من يعلق!
✏️ اكتب تعليقك