يحمل مشروع قانون المالية لسنة 2027 آثاراً متفاوتة على مغاربة العالم. فقد يستفيد أجير يعود للعمل في المملكة من تخفيف العبء الضريبي، بينما يحتاج مقاول يستورد السلع إلى سيولة إضافية. لذلك، تقتضي قراءة المشروع الانطلاق من وضع كل أسرة أو نشاط اقتصادي، ومن طبيعة العلاقة المالية والمهنية مع المغرب.
وحتى 27 أكتوبر 2026، تظل المقتضيات الواردة في النص مقترحات قابلة للتعديل. فقد أودع المشروع لدى مجلس النواب في 20 أكتوبر، وأحيل على لجنة المالية والتنمية الاقتصادية في 23 أكتوبر. ويتوقف تطبيق التدابير على استكمال المسار التشريعي والصيغة النهائية المعتمدة.
الإقامة بالخارج لا تشكل، بمفردها، نظاماً ضريبياً مستقلاً. فالموطن الضريبي ومصدر الدخل والاتفاقيات الدولية تحدد حق المغرب في فرض الضريبة. وبالتالي، لا يستفيد راتب مكتسب بالخارج تلقائياً من تخفيض الضريبة المغربية لمجرد أن صاحبه مغربي. كما تختلف طريقة احتساب الضريبة على المداخيل الخاضعة لها في المملكة بحسب طبيعتها.
بالنسبة إلى من يفكر في العودة للعمل بأجر، يقترح المشروع رفع الشريحة السنوية المعفاة من الضريبة من 40 ألفاً إلى 60 ألف درهم ابتداءً من 2027. ويتعلق الأمر بالدخل الصافي الخاضع للضريبة بعد الخصومات المسموح بها، وليس بالأجر الخام أو بالمبلغ الصافي المحول إلى الحساب البنكي. ويظل السعر الهامشي الأعلى عند 37 في المائة سنة 2027، بينما يرتبط الجدول المستهدف، بأسعار 10 و20 و30 في المائة، بأفق 2031.
ولتوضيح الأثر، إذا ثبت الدخل الصافي السنوي الخاضع للضريبة عند 90 ألف درهم، فإن تطبيق الشرائح يؤدي إلى ضريبة قدرها 9 آلاف درهم وفق جدول 2026، مقابل 4 آلاف درهم وفق مقترح 2027، قبل التخفيضات المرتبطة بالأعباء العائلية. ويبلغ الفرق خمسة آلاف درهم سنوياً. هذا حساب توضيحي لأثر الجدول وحده، وليس محاكاة شاملة للأجر أو وعداً بزيادة موحدة لجميع الأجراء.
ويقترح النص أيضاً رفع الخصم الجزافي للمصاريف المهنية إلى 45 في المائة بالنسبة إلى الأجراء المعنيين، مع الإبقاء على سقف 35 ألف درهم. ومن كان يستنفد هذا السقف أصلاً لن يحصل على خصم إضافي بسبب رفع النسبة وحده.
قد تحسن هذه المقتضيات جاذبية العودة لدى بعض الكفاءات. لكن وزنها الحقيقي يتحدد داخل ميزانية الأسرة، إلى جانب السكن والتمدرس والتغطية الصحية وآفاق العمل. وتبقى جودة الخدمات ووضوح الإجراءات من العناصر التي تجعل قرار الاستقرار قابلاً للاستمرار.
أما المقاولون، فيحتاجون إلى الانتباه إلى توقيت الأداء. إذ يقترح المشروع، ابتداءً من فاتح يوليوز 2027، تسبيقاً على الضريبة على الشركات أو على الدخل بنسبة 5 في المائة من القيمة الجمركية لبعض السلع المستوردة لإعادة بيعها على حالها. ويكون قابلاً للخصم من الضريبة المستحقة، مع حق الاسترداد. وتستثنى منه سلع الاستثمار والواردات الخاضعة للأنظمة الاقتصادية الجمركية. وبعد فترة أولية مدتها 60 شهراً من تاريخ أول عملية استيراد، يرتبط الإعفاء بتقديم شهادة الانتظام الضريبي.
في عملية مشمولة تبلغ قيمتها الجمركية 600 ألف درهم، يعني ذلك أداء 30 ألف درهم مسبقاً. وقد يضطر المقاول إلى تمويل هذا المبلغ قبل تحصيل ثمن المبيعات، بما يؤثر في قدرته على شراء المخزون أو يزيد حاجته إلى الاقتراض. ولهذا، ستؤثر آجال الاسترداد وسهولة إجراءاته في الكلفة العملية للنشاط، حتى عندما يكون المبلغ قابلاً للاسترجاع.
تندرج هذه الآلية ضمن تنظيم عمليات تجارية محددة، ولا تؤسس لاقتطاع عام بنسبة 5 في المائة من التحويلات العائلية. ويظل تقييمها مرتبطاً بالتوازن بين تأمين التحصيل الضريبي وحماية سيولة المقاولات المنتظمة. بالنسبة إلى مغربي مقيم بالخارج يستعد لإطلاق نشاط تجاري في المملكة، تصبح هذه الكلفة المؤقتة عنصراً يجب إدراجه في خطة التمويل متى انطبقت شروطها.
على مستوى المالية العمومية، تشير الأرقام المنشورة إلى 482.4 مليار درهم من الموارد العادية، مقابل 433.1 مليار درهم من النفقات العادية، بما يترك فائضاً عادياً قدره 49.3 مليار درهم. وتبلغ اعتمادات الاستثمار في الميزانية العامة 138 مليار درهم.
وبحساب النسبة، يعادل هذا الفائض نحو 36 في المائة من تلك الاعتمادات الاستثمارية. وتوضح المقارنة أهمية مصادر التمويل الإضافية، من دون أن تكون حساباً للعجز العمومي الموطد. ويعني ذلك سياسياً أن استدامة التخفيضات الضريبية والإنفاق تتطلب استثمارات ذات مردودية اقتصادية وقاعدة ضريبية قادرة على تحمل الالتزامات المتكررة.
هنا ينبغي الحفاظ على الدقة المحاسبية عند الحديث عن تحويلات مغاربة العالم. فالأموال المرسلة إلى الأسر تظل موارد خاصة، تدعم الاستهلاك والادخار والاستثمار، وقد تنتج عن استعمالها مداخيل ضريبية. لكنها لا تمثل في حد ذاتها إيراداً مباشراً للخزينة، ولا يجوز نسب تمويل إعانة اجتماعية بعينها إليها من دون وجود آلية واضحة لذلك.
ويتيح هذا التمييز طرح سؤال سياسي أكثر دقة: إلى أي حد تساعد السياسات العمومية الأسر على تلبية حاجاتها، بما يمنح التضامن العائلي عبر الحدود مساحة أوسع للاختيار؟ فتحسن الولوج إلى العلاج، ووصول الدعم إلى مستحقيه، قد يخففان بعض النفقات الطارئة التي تتحملها الأسر المقيمة بالخارج، ويتيحان مجالاً أكبر للادخار أو الاستثمار.
غير أن هذا الأثر يظل مرتبطاً بالاستفادة الفعلية. فلا يمكن استنتاج تحسن أوضاع الأسر من حجم الاعتمادات وحده، من دون النظر إلى انتظام الخدمات وجودتها وعدالة الوصول إليها.
ويتجاوز الرهان السياسي الأموال إلى الكفاءات والحقوق. فالقطاع المكلف بالمغاربة المقيمين بالخارج يستحضر التوجيهات الملكية الصادرة في 6 نونبر 2024 بشأن إعادة هيكلة مجلس الجالية المغربية بالخارج وإحداث المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج، امتداداً للدعوة سنة 2022 إلى بناء علاقة منظمة مع كفاءات الجالية.
وتتيح مناقشة الميزانية طلب ترجمة عملية لهذه الالتزامات: اعتمادات واضحة، ومسؤوليات محددة، وآجال معلنة، ونتائج منشورة. ومن شأن عرض مالي يجمع تدخلات القطاعات المعنية أن يسهل تقييم الجهد المخصص للخدمات القنصلية، وحماية الحقوق، ومواكبة الاستثمار، وتعبئة الكفاءات.
أما المؤشرات الأكثر فائدة، فتشمل عدد الإجراءات المنجزة عن بعد، وآجال معالجة الملفات، والشكايات التي تمت تسويتها، والمشاريع التي دخلت حيز النشاط، وفرص الشغل المستدامة، والشراكات العلمية المنجزة. فاللقاءات والاتفاقيات الموقعة توثق نشاط المؤسسات، لكن أثرها على حياة المواطنين يحتاج إلى قياس مستقل.
ولا تسمح المعطيات المتاحة بالجزم بغياب إنفاق عمومي لفائدة الجالية؛ إذ يمكن أن تتوزع الاعتمادات بين قطاعات متعددة. لذلك، تظل المطالبة بعرض موحد للمبالغ والبرامج والنتائج أكثر دقة وفائدة من إطلاق حكم شامل.
يفتح مشروع ميزانية 2027 فرصاً ضريبية لبعض مغاربة العالم، ويفرض يقظة مالية على بعض المقاولين. وستتعزز مصداقية الالتزام السياسي تجاه الجالية كلما أصبح العمل والاستثمار وممارسة الحقوق في المملكة أكثر وضوحاً واستقراراً وقابلية للتوقع.
💬 Comments (0)
No comments yet. Be the first!
✏️ Leave a comment