Society Featured

عيد الأضحى: بعد موجة الأسعار… أسئلة مفتوحة حول “وفرة” الخروف وقدرة المواطن على الشراء

1 min read 👁 21 views 💬 0 comment(s)
AR FR EN
عيد الأضحى: بعد موجة الأسعار… أسئلة مفتوحة حول “وفرة” الخروف وقدرة المواطن على الشراء
Publicité

أرقام رسمية مطمئنة… وواقع ميداني أقل طمأنة

قبل العيد، قدمت وزارة الفلاحة معطيات رسمية تؤكد أن العرض الوطني من الأغنام والماعز الموجه لعيد الأضحى يتراوح بين 8 و9 ملايين رأس، مقابل طلب مقدر بين 6 و7 ملايين رأس. كما تحدثت المعطيات الرسمية عن قطيع وطني يقارب 40 مليون رأس، وعن تسجيل حوالي 160 ألف وحدة للتربية والتسمين، وتنفيذ آلاف عمليات المراقبة الصحية، إلى جانب إحداث أسواق مؤقتة لتسهيل عملية البيع.

على الورق، تبدو الصورة واضحة: العرض أكثر من الطلب. لكن في الأسواق، وفي جيوب المواطنين، كانت الصورة مختلفة. كثير من الأسر وجدت نفسها أمام أسعار مرتفعة، تفاوتات كبيرة بين المدن والمناطق، وارتباك واضح في الأيام الأخيرة التي سبقت العيد.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: إذا كان العرض كافياً فعلاً، فلماذا لم يشعر المواطن بهذه الوفرة في السعر؟

فالوفرة لا تُقاس فقط بعدد الرؤوس الموجودة في البلاد، بل تُقاس أيضاً بقدرة المواطن على الوصول إليها، وبالسعر الذي يستطيع دفعه، وبمدى شفافية السوق في الأيام الحاسمة.

هل كانت المشكلة في عدد الخرفان أم في ثمنها؟

قد لا يكون المشكل الأساسي هذا العام في غياب الخرفان بشكل مطلق، بل في كون جزء مهم منها أصبح خارج قدرة المواطن المتوسط. فالأسرة المغربية لا تبحث فقط عن خروف موجود. تبحث عن خروف مناسب، سليم، قريب، وبثمن يمكن تحمله.

وهنا يظهر الفرق بين الوفرة الإحصائية والوفرة الاجتماعية.
قد تقول الأرقام إن العرض كافٍ. لكن المواطن يسأل: أين هذا العرض؟ بأي ثمن؟ في أي سوق؟ ومن يتحكم في السعر النهائي؟

فإذا كانت الخرفان موجودة في الضيعات أو في مناطق بعيدة، لكنها تصل إلى المدن بعد المرور عبر سلسلة من الوسطاء والنقل والتكاليف، فإن السعر النهائي يصبح بعيداً عن القدرة الشرائية لجزء كبير من الأسر.

المواطن لا يشتري بلاغاً رسمياً. المواطن يشتري خروفاً. وعندما لا يجد خروفاً بثمن معقول، فإن إحساسه الطبيعي هو أن هناك خللاً ما في السوق.

المواطن المغربي المتوسط… الحلقة الأضعف

في نهاية المطاف، الخاسر الأكبر في هذه القصة هو المواطن المتوسط. ليس بالضرورة الفقير جداً، ولا الغني القادر على الشراء مهما ارتفع السعر، بل ذلك المغربي الذي يعيش بينهما: موظف، مستخدم، عامل، صاحب دخل محدود أو متوسط، رب أسرة يحاول أن يوازن بين المصاريف اليومية، الكراء، الفواتير، الدراسة، الدواء، النقل، والالتزامات العائلية.

هذا المواطن يريد أن يحافظ على طقس ديني واجتماعي مهم. يريد أن يُفرح أبناءه. يريد أن يحافظ على صورة العيد داخل البيت. لكنه يجد نفسه أمام عملية حسابية قاسية: هل أشتري الخروف؟ هل أستدين؟ هل أؤجل مصاريف أخرى؟ هل أكتفي بالمشاركة مع العائلة؟ أم أتنازل هذه السنة؟

هذه ليست مجرد أسئلة اقتصادية. إنها أسئلة تمس الكرامة الاجتماعية. لأن عيد الأضحى في المغرب ليس فقط ذبح أضحية. إنه لحظة عائلية، ورمز للانتماء، وذكرى تتكرر في وجدان الأسر.

وعندما يصبح هذا الطقس ثقيلاً إلى درجة القلق، فهذا يعني أن القدرة الشرائية لم تعد مجرد موضوع أرقام، بل أصبحت إحساساً يومياً بالضغط.

مغاربة العالم… العودة إلى “البلاد” بنكهة مُرّة

مغاربة العالم كانوا أيضاً جزءاً من هذه المعادلة. كثيرون اختاروا العودة إلى المغرب لقضاء عيد الأضحى وسط العائلة. البعض جاء مع أبنائه حتى يعيشوا أجواء العيد كما عاشها الآباء والأجداد. لكن عدداً منهم اصطدم بواقع غير مريح: أسعار السفر مرتفعة، مصاريف الإقامة والتنقل والهدايا كبيرة، ثم يأتي ثمن الأضحية ليزيد الضغط.

والأصعب أن بعض مغاربة العالم يشعرون أحياناً بأن السوق يتعامل معهم بمنطق “أنت جاي من الخارج إذن تستطيع الدفع”. هذا التصور غير عادل. فليس كل MRE ميسور الحال. كثير منهم يعيشون في أوروبا أو كندا أو غيرها تحت ضغط الكراء، القروض، الضرائب، غلاء المعيشة، ومصاريف الأبناء.

بالنسبة لهؤلاء، كان العيد مناسبة للفرح، لكنه تحول جزئياً إلى مصدر توتر. بعضهم قضى الأيام الأخيرة قبل العيد في البحث عن خروف مناسب، بدل الاستمتاع بالجلوس مع العائلة. وبعضهم عاد بانطباع مؤلم: جئنا للاحتفال بالعيد في بلادنا، لكن الأسعار أفسدت جزءاً من الفرحة.

وهذه رسالة يجب الإنصات إليها، لأن علاقة مغاربة العالم بالمغرب لا تُبنى فقط في المطارات والموانئ والخطابات الرسمية، بل أيضاً في التفاصيل اليومية: السوق، الأسعار، المعاملة، الثقة، والإحساس بأن البلاد تحتضن أبناءها ولا تستنزفهم.

مواقع التواصل… بين كشف الواقع وصناعة الهلع

لا يمكن الحديث عن عيد هذه السنة دون التوقف عند دور مواقع التواصل الاجتماعي. فقد تحولت المنصات الرقمية إلى سوق موازية للنقاش: فيديوهات من الأسواق، أسعار متداولة، نداءات للمقاطعة، اتهامات للمضاربين، صور لخرفان باهظة، وتعليقات غاضبة من مواطنين شعروا بأنهم عاجزون عن مسايرة الأسعار.

من جهة، لعبت مواقع التواصل دوراً إيجابياً. فهي كشفت جانباً من معاناة الناس، وفتحت نقاشاً عاماً حول غلاء الأضاحي، وأعطت صوتاً لمن لا يجد عادة منصة للتعبير.

لكن من جهة أخرى، ساهمت أيضاً في تضخيم التوتر. بعض الفيديوهات تم تداولها خارج سياقها. بعض الأسعار القصوى قُدمت وكأنها قاعدة في كل المغرب. بعض الدعوات للمقاطعة خلقت انتظارات غير دقيقة لدى المواطنين، إذ اعتقد البعض أن الأسعار ستنهار في آخر لحظة، فانتظروا، ثم وجدوا أنفسهم أمام ضغط أكبر في الأيام الأخيرة.

هكذا تحول السوق من فضاء بيع وشراء إلى فضاء نفسي مشحون.
المواطن خائف من الغلاء.
البائع خائف من الخسارة.
المستهلك ينتظر الانخفاض.
والشبكات الاجتماعية تضيف طبقة جديدة من الضغط، الإشاعة، والغضب.

المقاطعة بين الغضب المشروع والواقع الاجتماعي

حملة المقاطعة عبّرت عن غضب حقيقي. لا يمكن الاستهانة بها أو اعتبارها مجرد “ترند”. عندما يصل ثمن الأضحية إلى مستوى لا يتحمله جزء واسع من الأسر، فمن الطبيعي أن تظهر دعوات للمقاطعة، أو على الأقل للتعبير عن رفض الأسعار.

لكن الواقع المغربي أكثر تعقيداً. عيد الأضحى ليس منتجاً عادياً يمكن التخلي عنه بسهولة. هناك بُعد ديني، عائلي، اجتماعي ونفسي. هناك أطفال ينتظرون العيد. هناك آباء يريدون الحفاظ على عادة تربوا عليها. هناك عائلات تعتبر الأضحية جزءاً من فرحة البيت.

لهذا، وجد كثير من المواطنين أنفسهم بين موقفين: الغضب من الأسعار من جهة، والرغبة في عدم التخلي عن العيد من جهة أخرى. هذا التردد هو بالضبط ما جعل السوق مرتبكاً. البعض انتظر أملاً في الانخفاض، ثم اشترى في آخر لحظة بثمن أكبر مما توقع. والبعض قاطع فعلاً، لكنه عاش الأمر بمرارة لا بانتصار.

المقاطعة هنا لم تكن فقط موقفاً اقتصادياً. كانت صرخة اجتماعية تقول: القدرة الشرائية لم تعد تساير طقوس الحياة المغربية.

أسئلة موجهة إلى الحكومة

بعد العيد، من حق المواطن أن يطرح أسئلة واضحة. وهذه الأسئلة لا تعني الهجوم على الدولة، بل تعني البحث عن تفسير، وعن تقييم، وعن حلول للمستقبل.

أولاً: أين كانت بالضبط 8 إلى 9 ملايين رأس المعلن عنها؟
هل كانت موزعة بشكل متوازن بين الجهات؟ وهل وصلت إلى الأسواق الحضرية الكبرى بالشكل الكافي؟

ثانياً: هل كل هذه الرؤوس كانت مناسبة فعلاً للأضحية؟
لأن المواطن لا يبحث عن أي رأس، بل عن أضحية تستجيب للشروط، وبسعر يناسب قدرته.

ثالثاً: ما هو دور الوسطاء في رفع الأسعار؟
كم انتقل الخروف من يد إلى يد قبل أن يصل إلى المواطن؟ ومن راقب هامش الربح في كل مرحلة؟

رابعاً: هل كانت الأسواق المؤقتة كافية؟
هل ساهمت فعلاً في خفض الضغط؟ أم بقي تأثيرها محدوداً أمام حجم الطلب في المدن الكبرى؟

خامساً: لماذا لم تؤدِّ الوفرة المعلنة إلى انخفاض الأسعار؟
إذا كان العرض يفوق الطلب، فالمنطق الاقتصادي يقول إن الأسعار يجب أن تتراجع أو على الأقل تستقر. فلماذا حدث العكس في عدد من الأسواق؟

سادساً: ما هي الإجراءات التي سيتم اتخاذها حتى لا يتكرر نفس المشهد في السنوات المقبلة؟
المواطن لا يريد فقط سماع أرقام قبل العيد. يريد تقييماً بعد العيد، ومحاسبة للخلل إن وُجد، وخطة واضحة لحماية قدرته الشرائية.

طلب التوضيح ليس خصومة

من المهم التأكيد أن طرح هذه الأسئلة لا يعني تجاهل صعوبات المربين. فالسنوات الأخيرة كانت صعبة على قطاع تربية الماشية بسبب الجفاف، وارتفاع كلفة الأعلاف، ومصاريف النقل، والعلاج، والتسمين. كما أن المربين الصغار أنفسهم يعانون، وليسوا جميعاً مستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لكن في المقابل، لا يمكن ترك المواطن وحده في نهاية السلسلة يدفع ثمن كل شيء. إذا ارتفعت كلفة الإنتاج، وإذا تدخل الوسطاء، وإذا تضاعفت مصاريف النقل، وإذا غابت شفافية الأسعار، فإن المواطن هو من يتحمل النتيجة النهائية.

لهذا، يحتاج الملف إلى تقييم شامل: من الإنتاج إلى السوق، ومن الضيعة إلى جيب المواطن.

ما الذي يجب تغييره؟

الدرس الأول هو أن التواصل الرسمي يجب أن يكون أكثر دقة. ليس كافياً أن نقول إن العرض متوفر. يجب أن نعرف العرض حسب الجهة، حسب الجودة، حسب الوزن، وحسب السعر المتوقع.

الدرس الثاني هو ضرورة تعزيز شفافية الأسعار. المواطن يحتاج إلى مؤشرات واضحة قبل العيد، لا إلى سوق مفتوح على المفاجآت.

الدرس الثالث هو مراقبة الوسطاء والمضاربة، خاصة في الأيام الأخيرة حيث تصبح الأسر تحت الضغط.

الدرس الرابع هو التفكير في آليات لحماية الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، لأن العيد لا يجب أن يتحول إلى عبء يُدفع بالدَّين أو بالتنازل عن مصاريف أساسية.

الدرس الخامس هو التعامل بذكاء مع مواقع التواصل الاجتماعي. لا يكفي تجاهل ما يقال فيها. يجب تقديم المعلومة بسرعة، والرد على الإشاعات، وشرح واقع السوق بلغة بسيطة يفهمها المواطن.

 العيد مرّ… لكن الأسئلة بقيت

عيد الأضحى هذه السنة كشف فجوة واضحة بين الأرقام الرسمية والإحساس الشعبي في الأسواق. ربما كان العرض كافياً من حيث العدد، لكن بالنسبة للمواطن، السؤال كان أبسط: هل أستطيع شراء خروف دون أن أرهق ميزانية أسرتي؟

بالنسبة لكثيرين، الجواب لم يكن مطمئناً.

هذه الأزمة الصغيرة في ظاهرها، الكبيرة في معناها، تعكس واقعاً أوسع: القدرة الشرائية للمواطن المغربي أصبحت تحت ضغط مستمر. وعندما تصل هذه الضغوط إلى عيد الأضحى، فإن الأمر لا يتعلق فقط بالسوق، بل بثقة الناس في السياسات العمومية، وفي المعلومة الرسمية، وفي قدرة الدولة على حماية المواطن من الاختلالات.

المطلوب اليوم ليس البحث عن مشجب واحد نعلق عليه كل شيء. لا المربي وحده مسؤول، ولا المواطن وحده، ولا مواقع التواصل وحدها، ولا الحكومة وحدها. لكن الحكومة، بحكم مسؤوليتها، مطالبة بتقديم حصيلة واضحة، وشرح ما حدث، واتخاذ إجراءات تمنع تكرار نفس الارتباك.

لأن عيد الأضحى ليس مجرد خروف.
إنه اختبار للثقة.
واختبار للقدرة الشرائية.
واختبار لقدرة السوق على خدمة المواطن لا استنزافه.

Did you find this article helpful?
Text size 100%
Publicité

Related articles

💬 Comments (0)

💬

No comments yet. Be the first!

✏️ Leave a comment

Not published
0/1000