ثقافة مميز

اليونسكو: حين يصبح التراث المغربي موضوعاً للجدل، يرد المغرب بالتاريخ والقانون والدبلوماسية

ليست كل الحوادث العابرة مجرد تفاصيل. فبعض الوقائع، رغم محدوديتها في الزمن والمكان، تكشف عن توتر أعمق. وما جرى على هامش الأسبوع الإفريقي بمنظمة اليونسكو في باريس يدخل في هذا الإطار، لأنه أعاد إلى الواجهة سؤالاً حساساً: كيف يمكن الدفاع عن التراث الوطني داخل فضاء دولي يفترض أن يكون مخصصاً للحوار والتفاهم واحترام التنوع الثقافي؟

1 دقيقة للقراءة 👁 23 مشاهدة 💬 1 تعليق
AR FR EN
اليونسكو: حين يصبح التراث المغربي موضوعاً للجدل، يرد المغرب بالتاريخ والقانون والدبلوماسية
Publicité

كان من المفترض أن يشكل الأسبوع الإفريقي، المنظم بمقر اليونسكو في باريس، مناسبة للاحتفاء بإفريقيا في تعددها وغناها الثقافي والإنساني. فالحدث يجمع دولاً إفريقية ومؤسسات وخبراء وفاعلين ثقافيين حول قضايا التنمية، الشباب، الثقافة، التراث، البيئة والتعاون. غير أن التوتر الذي أثير حول بعض الرموز التراثية أظهر مرة أخرى أن الثقافة، حين يتم إخراجها من سياقها الحضاري، قد تتحول إلى ساحة تنافس سياسي غير صحي.

بالنسبة للمغرب، المسألة لا تتعلق برد فعل ظرفي أو سجال إعلامي عابر. إنها مرتبطة برؤية أوسع تقوم على الدفاع الهادئ والموثق عن تراث عريق، متجذر في التاريخ، حي في المجتمع، ومحمي عبر المؤسسات الوطنية والدولية.

اليونسكو فضاء للحوار لا للمواجهة

تأسست اليونسكو على فكرة جوهرية: بناء السلام من خلال التربية والعلم والثقافة. فهذه المنظمة ليست مجرد فضاء للعرض الثقافي، بل مؤسسة دولية تحمل رسالة أخلاقية وإنسانية. ومن ثم، فإن أي توتر داخلها يجب أن يقرأ في ضوء هذه الرسالة.

فداخل اليونسكو، لا يفترض أن تتحول الأزياء التقليدية، أو الفنون، أو الصناعات الحرفية، أو الرموز الثقافية إلى أدوات استفزاز. بل يجب أن تكون جسوراً للتعارف والتبادل والاعتراف المتبادل.

من حق كل دولة أن تقدم تراثها وتدافع عنه. لكن هذا الحق يجب أن يمارس وفق قواعد الاحترام، واللياقة الدبلوماسية، والمساطر المعتمدة داخل المنظمات الدولية. وهذا ما يمنح الموقف المغربي قوته: الدفاع عن التراث لا عبر الضجيج، بل عبر التاريخ، والوثيقة، والملف، والمؤسسة.

المغرب لا يدافع عن ادعاءات، بل عن تراكم تاريخي

قوة الموقف المغربي تكمن في أن المملكة لا تتحرك من فراغ. فالتراث المغربي ليس خطاباً طارئاً، ولا صناعة ظرفية، ولا ردة فعل على نزاع سياسي. إنه تراكم حضاري طويل، صنعته المدن العتيقة، والزوايا، والقصور، والبيوت، والأسواق، والورشات التقليدية، والحرفيون، والنساء، والعائلات، والأجيال المتعاقبة.

من فاس إلى مراكش، ومن تطوان إلى الرباط، ومن الصويرة إلى مكناس، يحمل المغرب رصيداً ثقافياً متنوعاً يجمع بين التأثيرات الأمازيغية، والعربية، والأندلسية، والإفريقية، والمتوسطية. وهذه الخصوصية لا يمكن اختزالها في سجال عابر أو فيديو متداول.

القفطان المغربي: اعتراف دولي بذاكرة حية

يعد القفطان المغربي من أبرز الرموز التي تختصر عمق التراث المغربي. فهو ليس مجرد لباس تقليدي، بل ذاكرة اجتماعية وجمالية متكاملة. يرتبط بالأعراس، والمناسبات الدينية، والاحتفالات العائلية، وبمهارات الخياطة، والتطريز، واختيار الأثواب، والزخارف، والألوان.

وقد جاء إدراج القفطان المغربي: فنون وتقاليد ومهارات ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى اليونسكو ليؤكد هذا العمق. فهذا الاعتراف لم يأت نتيجة انفعال أو حملة دعائية، بل من خلال مسار مؤسساتي قائم على ملف موثق، ومعطيات تاريخية، وممارسات حية، وجماعات حاملة لهذا التراث.

وهنا يجب التوقف عند نقطة أساسية: الاعتراف بالقفطان المغربي لا يعني نفي وجود أزياء تقليدية في بلدان أخرى. بل يعني أن المغرب قدم عنصراً محدداً من تراثه، له خصوصيته وسياقه وتاريخه وحاملوه. وهذا بالضبط هو جوهر اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي: حماية الممارسات الحية وتثمينها ونقلها للأجيال القادمة.

القفطان ليس شعاراً سياسياً

القفطان المغربي أعمق من أي سجال. إنه موجود في البيوت المغربية قبل أن يكون في المنصات الدولية. ترتديه النساء في المناسبات، وتطوره دور الصناعة التقليدية، وتحافظ عليه الأسر، وتبدع فيه المدن والجهات.

لذلك، فإن تحويله إلى موضوع توتر سياسي يظلمه. القفطان لا يحتاج إلى صراخ كي يثبت أصالته. يكفي أن ننظر إلى ورشات الصناعة التقليدية، إلى تاريخ المدن المغربية، إلى الصور العائلية القديمة، إلى المتاحف، وإلى ذاكرة المجتمع لنفهم أنه جزء من الهوية المغربية الحية.

الزليج المغربي: لغة معمارية راسخة

إلى جانب القفطان، يبرز الزليج المغربي كأحد أكثر مكونات الهوية البصرية المغربية حضوراً. فهو يزين المساجد، والمدارس العتيقة، والقصور، والرياضات، والنافورات، والأضرحة، والمنازل التقليدية. إنه ليس مجرد زخرفة، بل علم دقيق في الهندسة، وتناسق الألوان، والصبر اليدوي، والمهارة الحرفية.

ومن المهم هنا اعتماد الدقة. فالزليج المغربي، بخلاف القفطان، يوجد في مسار متواصل من أجل توثيقه وتعزيز حمايته على المستوى الدولي. غير أن قوته لا تنتظر فقط الاعتراف المؤسساتي. فهي مرئية في المعمار المغربي ذاته، في فاس وتطوان ومراكش والرباط ومكناس وغيرها من المدن التي جعلت من الزليج جزءاً من شخصيتها العمرانية.

إن الدفاع عن الزليج المغربي يجب أن يستند إلى الأرشيف، وإلى الحرفيين، وإلى المعالم التاريخية، وإلى المدارس الفنية، وإلى الدراسات العلمية. وهذه كلها عناصر تمنح المغرب أرضية قوية وواثقة.

ما يكشفه الحادث: التراث المغربي أصبح قوة ناعمة

الحساسية المتزايدة حول التراث المغربي تكشف حقيقة مهمة: المغرب أصبح أكثر حضوراً في الدبلوماسية الثقافية. فكلما نجح بلد في توثيق تراثه والتعريف به دولياً، ازداد تأثيره الرمزي.

لقد فهم المغرب أن التراث ليس مجرد ذاكرة، بل أيضاً قوة ناعمة. فهو يساهم في الإشعاع السياحي، وفي دعم الصناعة التقليدية، وفي تعزيز صورة المملكة، وفي ربط الأجيال الجديدة بهويتها.

ومن هنا، فإن أي محاولة للتشويش على هذا المسار لا يجب أن تدفع المغرب إلى الانفعال، بل إلى مزيد من التنظيم والتوثيق والترافع الهادئ.

الدبلوماسية تفرض ضبط النفس

في المؤسسات الدولية، لا تمثل الوفود نفسها فقط، بل تمثل دولاً وتقاليد دبلوماسية وصوراً وطنية. لذلك، حتى في حالة الاختلاف أو الاعتراض، توجد قواعد ينبغي احترامها.

الخلافات الثقافية أو التاريخية لا تعالج بالاحتكاك أو الاستفزاز، بل عبر القنوات المؤسسية: المراسلات الرسمية، وحقوق الرد، والملفات العلمية، واللجان المختصة، والحوار المنظم.

وهنا تكمن أهمية الموقف المغربي. فالمغرب عندما يدافع عن تراثه داخل اليونسكو، فإنه لا يفعل ذلك بمنطق رد الفعل، بل بمنطق الدولة التي تعرف أن قوة الملف أهم من حرارة اللحظة.

الدفاع عن المغرب يكون برفع مستوى النقاش

الرد المغربي الأقوى لا يكون بتبادل الاتهامات، بل برفع مستوى النقاش. يمكن للمغرب أن يقول للعالم: هذه مدننا، وهذه ورشاتنا، وهؤلاء حرفيونا، وهذه عائلاتنا، وهذه وثائقنا، وهذه ممارساتنا الحية، وهذه اعترافاتنا الدولية.

هذه اللغة أقوى من أي جدل عابر. لأنها تنقل النقاش من الانفعال إلى الدليل، ومن الصخب إلى المعرفة، ومن التوتر إلى القانون.

وفي هذا الإطار، يصبح دور الإعلام المغربي مهماً جداً. فالمطلوب ليس فقط الدفاع العاطفي عن التراث، بل تقديم رواية مهنية، جذابة، دقيقة، قادرة على مخاطبة القارئ المغربي والدولي معاً.

التراث المغربي ليس رد فعل على أحد

من الضروري التذكير بأن التراث المغربي لم يولد رداً على أي دولة. القفطان لم يظهر لأن هناك من ينازع المغرب حوله. والزليج لم ينتشر في المعمار المغربي بسبب سجال حديث. والمطبخ المغربي، والموسيقى، والصناعة التقليدية، وفنون العيش لم تتشكل في مواقع التواصل الاجتماعي.

هذا التراث موجود لأنه جزء من تاريخ المغرب. ومن هنا تأتي قوته. فالثقافة الأصيلة لا تحتاج إلى خصم كي تثبت وجودها. هي تستمد شرعيتها من الاستمرارية، ومن الاستعمال اليومي، ومن انتقالها بين الأجيال.

على اليونسكو أن تحمي روحها قبل رموزها

الحادث يطرح أيضاً مسؤولية على اليونسكو نفسها. فإذا كانت المنظمة تريد أن تبقى فضاء للثقافة والسلام، فعليها أن تضمن أن فعالياتها لا تتحول إلى ساحات للتوتر أو التصعيد بين الدول.

ففلسفة التراث الثقافي غير المادي تقوم على الصون، والاحترام، والتعاون، لا على التنافس العدائي. ومن هذا المنطلق، فإن حماية التراث لا تعني فقط تسجيله في اللوائح، بل أيضاً حماية الفضاءات التي يتم فيها تقديم هذا التراث من كل أشكال الاستفزاز.

لماذا يهم هذا الموضوع المغاربة؟

لأن التراث ليس مادة باردة. إنه ذاكرة شخصية وجماعية. القفطان بالنسبة لكثير من المغاربة ليس مجرد لباس، بل صورة أم، أو جدة، أو عروس، أو مناسبة عائلية. والزليج ليس مجرد زخرفة، بل بيت قديم، أو مسجد، أو مدرسة عتيقة، أو نافورة في مدينة تاريخية.

لهذا يتفاعل المغاربة بقوة مع هذه القضايا. فهم لا يرون فيها خلافاً تقنياً حول ملف ثقافي، بل دفاعاً عن جزء من ذاكرتهم.

لكن كلما كان الموضوع حساساً، كان من الضروري أن يكون الرد أكثر رصانة. فالتراث العزيز يستحق دفاعاً راقياً، لا سجالاً متشنجاً.

 المغرب يدافع عن تراثه بثقة وأناقة

ما وقع على هامش الأسبوع الإفريقي باليونسكو يعيد التذكير بحقيقة واضحة: التراث المغربي أصبح موضوع اهتمام دولي، ومصدراً من مصادر القوة الناعمة للمملكة. وهذا الاهتمام قد يثير أحياناً حساسيات أو محاولات تشويش.

لكن المغرب يمتلك ما هو أقوى من الضجيج: التاريخ، والحرفيون، والذاكرة، والمؤسسات، والملفات الموثقة، والاعترافات الدولية.

إدراج القفطان المغربي في اليونسكو دليل واضح على أن الدفاع الهادئ والمنظم يعطي ثماره. أما الزليج المغربي، بما يحمله من عمق معماري وحرفي، فهو بدوره ملف يستحق أن يواصل المغرب الدفاع عنه بنفس الجدية والرؤية.

في النهاية، الدفاع عن التراث المغربي لا يعني الانجرار إلى التوتر. بل يعني الثبات، والدقة، والدبلوماسية، والثقة في قوة التاريخ. فالمغرب، وهو يدافع عن ثقافته، لا يحتاج إلى رفع الصوت. يكفي أن يرفع مستوى الحجة.

هل أعجبك هذا المقال؟
حجم الخط 100%
Publicité

مقالات ذات صلة

💬 التعليقات (1)

T
Talbi samir

مغربي والتراث المغربي عزّ وفخر.

✏️ اكتب تعليقك

لن يُنشر
0/1000