هذا السؤال ليس جديداً. إنه يرافق كل محطة انتخابية تقريباً، مثل ملف مؤجل دائماً. فمغاربة العالم حاضرون بقوة في الخطاب الرسمي، وفي الاقتصاد الوطني، وفي التحويلات المالية، وفي صورة المغرب بالخارج، وفي الدفاع اليومي عن الارتباط بالوطن. لكن حضورهم داخل التمثيلية السياسية المباشرة ما يزال محدوداً، غير واضح، وأحياناً أقرب إلى الغياب.
مواطنة معترف بها… ولكن صعبة الممارسة
الدستور المغربي يعترف للمغاربة المقيمين بالخارج بحقوق المواطنة الكاملة، بما في ذلك الحق في التصويت والترشح. غير أن الاعتراف بالمبدأ شيء، وتحويله إلى ممارسة سهلة ومنظمة شيء آخر.
هنا تظهر المشكلة الأساسية: المغربي المقيم في الخارج مواطن من حيث النص، لكنه غالباً يظل ناخباً بعيداً من حيث الواقع. المسافة الجغرافية، صعوبة التسجيل، ضعف التواصل الحزبي، محدودية آليات التصويت من الخارج، كلها عوامل تجعل المشاركة السياسية لمغاربة العالم مسألة معقدة.
والديمقراطية لا تقاس فقط بوجود الحق في القانون. تقاس أيضاً بمدى قدرة المواطن على استعمال هذا الحق فعلياً.
مغاربة العالم: فاعلون اقتصاديون… لكن حضورهم السياسي مؤجل
المغرب يطلب الكثير من جاليته. يطلب منها الاستثمار، تحويل الأموال، الدفاع عن صورة البلاد، نقل الهوية للأجيال الجديدة، المساهمة في التنمية، وربط علاقات اقتصادية وثقافية مع بلدان الإقامة. وهذا طبيعي، لأن مغاربة العالم يشكلون رصيداً بشرياً واستراتيجياً مهماً.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بحدة هو: هل يمكن مطالبة هذه الجالية بالمساهمة الدائمة دون منحها قنوات أوضح للمشاركة في القرار السياسي؟
هنا يوجد نوع من المفارقة. فالمغربي المقيم في باريس، مدريد، بروكسيل، أمستردام، مونتريال، نيويورك، الدوحة أو ميلانو يظل مرتبطاً بالمغرب عبر العائلة، الهوية، الوثائق، الملكية، الاستثمار، الذاكرة والزيارة السنوية. لكنه عندما يبحث عن صوت سياسي منظم يعبر عن قضاياه، يجد نفسه غالباً أمام فراغ.
التمثيلية المباشرة: مطلب ديمقراطي أم عقدة مؤسساتية؟
من بين المقترحات التي تعود إلى النقاش مع كل انتخابات: إحداث دوائر انتخابية خاصة بمغاربة العالم، تمكينهم من التصويت في القنصليات، اعتماد التصويت الإلكتروني المؤمّن، تخصيص لائحة وطنية، أو تسهيل ترشح كفاءات من الجالية داخل لوائح الأحزاب.
كل هذه المقترحات تبدو منطقية من حيث المبدأ، لكنها تطرح أسئلة عملية حقيقية. كيف يمكن تقسيم دوائر الجالية؟ حسب القارات؟ حسب الدول؟ حسب كثافة الحضور المغربي؟ كيف يمكن ضمان نزاهة التصويت عن بعد؟ كيف يمكن تفادي احتكار التمثيلية من طرف شبكات قريبة من الأحزاب أو من النخب الأكثر تنظيماً؟
هذه أسئلة مهمة. لكنها لا يجب أن تتحول إلى ذريعة لتأجيل الإصلاح إلى ما لا نهاية. فكل الدول التي تعاملت مع جاليات كبيرة واجهت صعوبات مشابهة. الفرق لا تصنعه التقنية وحدها، بل تصنعه الإرادة السياسية.
الأحزاب السياسية أمام اختبار الجدية
لا تتحمل الدولة وحدها مسؤولية ضعف حضور مغاربة العالم في التشريعيات. الأحزاب السياسية أيضاً معنية بشكل مباشر. فالكثير من الأحزاب تتحدث عن الجالية في برامجها، لكنها نادراً ما تبني علاقة دائمة معها.
غالباً ما يتم استحضار مغاربة العالم في المناسبات، في الندوات، في الزيارات الصيفية، أو في الخطابات الانتخابية. لكن كم حزباً يمتلك فعلاً رؤية واضحة لتمثيلهم؟ كم حزباً يفتح هياكله أمام كفاءات من الخارج؟ كم حزباً يستمع إلى قضاياهم خارج موسم الانتخابات؟
الخطر هنا هو تحويل الجالية إلى واجهة انتخابية أو صورة تواصلية، بدل التعامل معها كجسم اجتماعي متنوع، يحمل مطالب حقيقية: التعليم، الهوية، الاستثمار، الإدارة، العدالة القنصلية، التقاعد، الملكية، الجيل الثاني والثالث، اللغة، والاندماج في بلدان الإقامة دون قطع الصلة بالمغرب.
الجالية ليست كتلة واحدة
من الأخطاء المتكررة الحديث عن مغاربة العالم كأنهم كتلة واحدة. الحقيقة أنهم متنوعون جداً. هناك العمال، المقاولون، الطلبة، الأطباء، المهندسون، الفنانون، النساء الناشطات في الجمعيات، المتقاعدون، مزدوجو الجنسية، الشباب المولودون في الخارج، وأجيال لا تتحدث دائماً العربية أو الأمازيغية بنفس السلاسة، لكنها تحتفظ بعلاقة وجدانية قوية مع المغرب.
تمثيل هذه الفئات يتطلب فهماً عميقاً، لا مجرد شعارات. فالذي يشغل مغربياً مقيماً في إسبانيا ليس بالضرورة ما يشغل مغربياً في كندا أو الخليج أو إفريقيا جنوب الصحراء. ومع ذلك، هناك قاسم مشترك بينهم جميعاً: الرغبة في ألا يتم التعامل معهم كمصدر تحويلات فقط.
من الاستشارة إلى التمثيل
توجد مؤسسات وهيئات معنية بقضايا مغاربة العالم، ويمكن أن تلعب دوراً مهماً في التفكير، التقييم، والاقتراح. لكن المؤسسات الاستشارية لا تعوض التمثيل الانتخابي. الاستشارة مفيدة، لكنها لا تمنح المواطن سلطة الاختيار والمحاسبة.
هنا يكمن الفرق الجوهري بين أن يُستمع إلى مغاربة العالم، وأن يكون لهم ممثلون منتخبون يحملون صوتهم داخل البرلمان. فالمواطنة لا تكتمل بالاستماع وحده. تحتاج أيضاً إلى آلية سياسية تسمح بالمشاركة، المنافسة، الاختيار، والمساءلة.
سؤال الثقة السياسية
قضية مشاركة مغاربة العالم في التشريعيات هي في النهاية قضية ثقة. ثقة الجالية في المؤسسات. وثقة المؤسسات في الجالية. وثقة الأحزاب في ناخبين قد يكونون أكثر استقلالية، وأكثر مطالبة بالوضوح، وأقل ارتباطاً بالمنطق المحلي التقليدي.
مغاربة العالم يعيشون في بلدان تعرف أشكالاً متعددة من التصويت عن بعد، والتمثيلية القنصلية، والتنظيم الانتخابي للجاليات. لذلك فهم يقارنون، يسألون، وينتظرون حلولاً لا تظل حبيسة النوايا.
وإذا لم تتم معالجة هذا الملف بجدية، فقد يتحول خطاب الارتباط بالجالية إلى خطاب عاطفي جميل، لكنه ناقص سياسياً.
ماذا يمكن أن تغير تشريعيات شتنبر؟
تشريعيات شتنبر قد تكون فرصة لفتح نقاش جدي، حتى لو لم يتم حل كل شيء دفعة واحدة. المطلوب ليس فقط إعلان النوايا، بل وضع خارطة طريق واضحة.
أولاً، يجب تحديد كيف يمكن لمغاربة العالم التصويت بطريقة سهلة، آمنة وشفافة.
ثانياً، يجب التفكير في كيف يمكنهم الترشح دون أن يكون وجودهم رمزياً فقط.
ثالثاً، يجب تحديد شكل التمثيلية: هل ستكون عبر دوائر خاصة؟ لوائح وطنية؟ آليات حزبية ملزمة؟ أم مزيج من هذه الحلول؟
المهم هو الخروج من المنطقة الرمادية. فالمواطنة السياسية لا يمكن أن تبقى مؤجلة إلى ما بعد كل انتخابات.
من جالية مفيدة إلى جالية ممثلة
سؤال مغاربة العالم في التشريعيات ليس تفصيلاً تقنياً. إنه سؤال عن معنى المواطنة المغربية في زمن الهجرة والعولمة. هل المواطن المغربي يظل مواطناً كاملاً عندما يغادر التراب الوطني؟ أم يصبح تدريجياً مواطناً عاطفياً، اقتصادياً، موسمياً، لكنه غير حاضر سياسياً؟
المغرب لا يستطيع أن ينظر إلى جاليته كقوة استراتيجية في الاقتصاد والدبلوماسية والهوية، ثم يترك تمثيلها السياسي في الهامش. مغاربة العالم لا يطلبون امتيازاً خاصاً. يطلبون فقط أن تكون المواطنة التي يعترف بها الدستور قابلة للممارسة.
التحدي اليوم واضح: الانتقال من جالية يُحتفى بها إلى جالية تُسمع. من جالية تُستدعى عند الحاجة إلى جالية تشارك في القرار. من مواطنة وجدانية إلى مواطنة فعلية.
تشريعيات شتنبر لن تحدد فقط موازين القوى داخل البرلمان. ستكشف أيضاً أي تصور يملكه المغرب لأبنائه حين يعيشون بعيداً عن الأرض، لكنهم لا يعيشون أبداً بعيداً عن الوطن.
💬 التعليقات (0)
لا توجد تعليقات. كن أول من يعلق!
✏️ اكتب تعليقك